أغشية جديدة من الأنابيب النانوية تنقل بسرعة فائقة لأيونات الليثيوم

Image

في خطوة قد تفتح آفاقًا جديدة أمام تقنيات البطاريات واستخلاص الليثيوم وتوليد الطاقة النظيفة، نجح باحثون في تطوير أغشية نانوية مكوّنة من مصفوفات كثيفة من أنابيب نيتريد البورون النانوية (Boron Nitride Nanotubes – BNNTs)، وأظهروا أن هذه الأغشية تمتلك قدرة غير متوقعة على نقل أيونات الليثيوم بسرعات تفوق التوقعات النظرية بما يصل إلى 31 ضعفًا. كما كشفت الدراسة عن ظاهرة أكثر إثارة تتمثل في أن الليثيوم أصبح الأيون الأسرع حركة داخل هذه القنوات النانوية، على عكس ما يحدث في المحاليل المائية العادية.

لماذا يُعد هذا الاكتشاف مهمًا؟

تعتمد العديد من التقنيات الحديثة على التحكم الدقيق في حركة الأيونات، بدءًا من البطاريات القابلة للشحن ووصولًا إلى أنظمة تحلية المياه واستخلاص المعادن النادرة. وفي الطبيعة، تقوم القنوات الأيونية الموجودة في أغشية الخلايا الحية بنقل أيونات محددة بسرعة وانتقائية مذهلتين، وهو أداء لم تتمكن الأنظمة الصناعية من محاكاته بالكامل حتى الآن.

لذلك يسعى العلماء منذ سنوات إلى تصميم أغشية اصطناعية قادرة على تحقيق المستوى نفسه من الكفاءة، بحيث تسمح بمرور أيونات معينة بسرعة عالية مع منع مرور أيونات أخرى.

ما هي أنابيب نيتريد البورون النانوية؟

أنابيب نيتريد البورون النانوية تشبه في شكلها الأنابيب الكربونية النانوية، لكنها تتكون من ذرات البورون والنيتروجين المرتبة في بنية أسطوانية مجوفة ذات أبعاد نانوية. وتمتاز هذه الأنابيب بثبات كيميائي وحراري مرتفع، إضافة إلى خصائص سطحية تجعلها مناسبة جدًا لتطبيقات نقل الأيونات.

في الدراسة الجديدة، رتّب الباحثون ملايين هذه الأنابيب عموديًا داخل غشاء واحد، بحيث تعمل كل أنبوبة كقناة دقيقة لعبور الأيونات.

المفاجأة الأولى: سرعة تفوق التوقعات بـ 31 مرة

وفق القوانين التقليدية للانتشار، يجب أن تنتقل الأيونات عبر الأغشية بسرعة معينة تعتمد على فرق التركيز. لكن الباحثين وجدوا أن أيونات الليثيوم داخل هذه الأنابيب تتحرك بسرعة أكبر بكثير من المتوقع، إذ تجاوزت معدلات النقل ما تنبأت به نماذج الانتشار التقليدية بما يصل إلى 31 ضعفًا.

ويرجع ذلك إلى ظاهرة تُعرف باسم التناضح الانتشاري السطحي (Diffusio-Osmosis)، حيث تجذب الجدران المشحونة للأنابيب طبقة كثيفة من الأيونات الموجبة. وعندما يوجد فرق في تركيز الملح بين جانبي الغشاء، تتولد قوة دافعة على طول السطح الداخلي للأنبوب، فتتحرك الأيونات بسرعة كبيرة داخل القناة النانوية.

المفاجأة الثانية: الليثيوم يصبح الأسرع

في الماء العادي، تكون أيونات البوتاسيوم عادة أسرع حركة من أيونات الليثيوم، لأن الليثيوم محاط بغلاف مائي أكثر إحكامًا يبطئ حركته.

لكن داخل أنابيب نيتريد البورون حدث العكس تمامًا. فقد تبين أن أيونات الليثيوم تنتقل بسرعة تفوق أيونات البوتاسيوم بنحو أربعة أضعاف.

ولفهم السبب، استخدم الباحثون محاكاة حاسوبية متقدمة وحسابات كمية دقيقة. وأظهرت النتائج أن أيونات الليثيوم تتفاعل بطريقة فريدة مع المجموعات الكيميائية الموجودة على جدران الأنابيب. فعندما تدخل القناة تساعد على إزالة بعض العوائق السطحية المشحونة، مما يفتح مسارًا أكثر سلاسة لعبورها. أما أيونات الصوديوم والبوتاسيوم فتميل إلى الارتباط بالجدار لفترات أطول، مما يبطئ حركتها.

تحويل فرق الملوحة إلى كهرباء

لم يقتصر الأمر على النقل السريع للأيونات، بل تمكن الباحثون من استغلال هذه الظاهرة لتوليد الطاقة.

فعند وضع محاليل مختلفة التركيز على جانبي الغشاء، نشأ تيار كهربائي نتيجة انتقال الأيونات عبر الأنابيب النانوية. وقد حققت الأغشية كثافة قدرة وصلت إلى نحو 15,300 واط لكل متر مربع من المسام النشطة، مع كفاءة تحويل طاقة اقتربت من الحد النظري الأقصى البالغ 50%. كما نجح الفريق في تشغيل آلة حاسبة وساعة وصمام ضوئي LED باستخدام غشاء صغير مساحته سنتيمتر مربع واحد فقط.

تطبيقات مستقبلية واعدة

إذا أمكن تطوير هذه التقنية على نطاق صناعي، فقد تساهم في استخلاص الليثيوم بكفاءة أعلى من المياه المالحة والمحاليل الصناعية. وتطوير أغشية انتقائية لفصل الأيونات والمعادن الثمينة. وإنتاج ما يُعرف بالطاقة الزرقاء (Blue Energy) الناتجة من فرق الملوحة بين مياه الأنهار والبحار. وتحسين أنظمة التحلية والمعالجة الكيميائية. ودعم تقنيات البطاريات وتخزين الطاقة المستقبلية.

التحديات المتبقية

رغم النتائج المبهرة، لا تزال هناك عقبات هندسية مهمة. فالباحثون يشيرون إلى أن أقل من 1% من الأنابيب الموجودة داخل الأغشية الحالية تعمل فعليًا كقنوات مفتوحة للنقل الأيوني. وبالتالي فإن تحسين نسبة الأنابيب النشطة ورفع كثافة المسام والحفاظ على المتانة الميكانيكية للأغشية سيكون ضروريًا قبل الانتقال إلى التطبيقات التجارية الواسعة.

المرجع العلمي: نُشرت الدراسة الأصلية في مجلة Nature Nanotechnology بعنوان:Anomalous ultrafast lithium-ion transport through boron nitride nanotube membranes
بقيادة الباحثين Semih Cetindag وزملائه، ونُشرت في يونيو 2026.

وتُعد هذه الدراسة مثالًا جديدًا على كيف يمكن للهندسة النانوية أن تكشف سلوكيات غير متوقعة للمادة عند المقاييس المتناهية الصغر، وهي سلوكيات قد تؤدي مستقبلاً إلى جيل جديد من تقنيات الطاقة والفصل الأيوني أكثر كفاءة بكثير مما هو متاح اليوم.

0مشاركات
Scroll to Top