أنابيب الكربون النانوية تحوّل الأشعة تحت الحمراء غير المرئية إلى ذاكرة إلكترونية

Image

خطوة جديدة نحو كاميرات ذكية تحاكي الدماغ البشري

في عالم أنظمة الرؤية الحديثة، تواجه الكاميرات التقليدية مشكلة أساسية عند العمل في الظلام. فالحل المعتاد يتمثل في إضافة مصدر ضوء خارجي، لكن هذا الحل قد يكشف موقع النظام الأمني، أو يزعج الحياة البرية، أو يؤثر في التجارب العلمية والبيئات الحساسة التي يُراد مراقبتها دون تدخل. لهذا السبب يزداد الاهتمام باستخدام الضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء (Near-Infrared, NIR)، وهو ضوء لا تستطيع العين البشرية رؤيته، لكنه قادر على إضاءة المشهد أمام الحساسات الإلكترونية. وتُستخدم هذه التقنية اليوم في الرؤية الليلية، وكاميرات المراقبة الأمنية، وأنظمة قياس العمق، وبعض تطبيقات التصوير الطبي الحيوي.

إلا أن الباحثين يسعون اليوم إلى ما هو أبعد من مجرد التقاط الصورة؛ فهم يريدون تطوير أنظمة بصرية تحاكي طريقة عمل الدماغ البشري، بحيث تستطيع الحساسات نفسها أن تتذكر ما رأته وأن تبدأ بمعالجة المعلومات قبل إرسالها إلى المعالج المركزي. وفي هذا السياق نشر فريق بحثي دراسة في مجلة Advanced Functional Materials بعنوان:

Carbon Nanotube-Based Optoelectronic Synaptic Thin-Film Transistors at 940 nm for Covert Neuromorphic Visual Surveillance and Image Recognition

تصف جهازاً جديداً يعتمد على أنابيب الكربون النانوية أحادية الجدار (Single-Walled Carbon Nanotubes – SWCNTs)، يستطيع تحويل الأشعة تحت الحمراء بطول موجي 940 نانومتراً إلى إشارة كهربائية قابلة للتخزين المؤقت، أي إلى نوع من “الذاكرة الضوئية الإلكترونية”.

لماذا يعتبر الطول الموجي 940 نانومتراً مهماً؟

يقع الضوء ذو الطول الموجي 940 نانومتراً خارج نطاق الرؤية البشرية، ولذلك يُستخدم على نطاق واسع في أنظمة المراقبة الخفية. والرؤية الليلية. وحساسات الحركة. وأنظمة الأمن الذكية. وتقنيات التعرف على الوجوه. وعندما يعمل نظام المراقبة بهذا الطول الموجي، يمكنه “رؤية” البيئة المحيطة دون أن يلاحظ البشر وجود مصدر إضاءة. لكن التحدي يكمن في أن معظم المواد الحساسة للضوء تستجيب بكفاءة أكبر للضوء المرئي أو فوق البنفسجي، بينما تصبح استجابتها أضعف في منطقة الأشعة تحت الحمراء القريبة.

كيف يعمل الجهاز الجديد؟

ابتكر الباحثون ترانزستوراً ضوئياً يجمع بين مادتين رئيسيتين:

أولاً: أنابيب الكربون النانوية

تُشكّل هذه الأنابيب قناة مرور التيار الكهربائي داخل الترانزستور. وتتميز بأنها ذات ناقلية كهربائية عالية جداً. ومرنة وقابلة للتصنيع على أغشية رقيقة. ومناسبة للأجهزة الإلكترونية منخفضة الاستهلاك للطاقة. لكنها منفردة لا تمتص كمية كافية من الضوء تحت الأحمر.

ثانياً: الجزيء العضوي IEICO-4F

وهو مركب عضوي مصمم لامتصاص الضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء بكفاءة عالية فعند سقوط ضوء 940 نانومتراً عليه يمتص الطاقة الضوئية. ويولد شحنات كهربائية متحركة لتنتقل بعض هذه الشحنات إلى شبكة الأنابيب النانوية. ويتغير التيار المار داخل الترانزستور. وبذلك يتحول الضوء غير المرئي إلى إشارة كهربائية قابلة للقياس.

من الاستشعار إلى الذاكرة

الميزة الأهم في هذا الجهاز أنه لا يكتفي باستشعار الضوء. فبعد انتهاء ومضة الضوء، لا تختفي جميع الشحنات الكهربائية مباشرة، إذ تبقى بعض الشحنات محتبسة داخل طبقة أكسيد الألومنيوم العازلة، أو عند الحدود الفاصلة بين المواد المختلفة. وتؤثر هذه الشحنات المحتجزة في التيار الكهربائي لفترة من الزمن.

بمعنى آخر الجهاز يتذكر أنه تعرض للضوء. وهذه الخاصية تشبه عمل المشابك العصبية (Synapses) في الدماغ، التي تحتفظ بأثر الإشارات العصبية السابقة. ولهذا يُصنف الجهاز ضمن ما يُعرف بـالأجهزة الشبكية الضوئية الإلكترونية (Optoelectronic Synaptic Devices).

تقليد آلية التعلم العصبي

أظهرت التجارب أن استجابة الجهاز تزداد عندما تصل ومضات الضوء بشكل متكرر. فإذا وصلت ومضة ثانية بعد فترة قصيرة من الأولى، تكون الاستجابة أقوى. وتعرف هذه الظاهرة باسم التسهيل الومضي المزدوج (Paired-Pulse Facilitation). وهي ظاهرة معروفة أيضاً في الخلايا العصبية الحقيقية.

كما وجد الباحثون أن زيادة عدد الومضات الضوئية، أو زيادة مدة كل ومضة، أو زيادة تكرار الومضات. تؤدي إلى تكوين ذاكرة أطول أمداً داخل الجهاز. وبذلك لا يسجل النظام الضوء فقط، بل يسجل أيضاً تاريخه الزمني.

استهلاك طاقة بالغ الانخفاض

من أهم نتائج الدراسة أن الجهاز يعمل بطاقة متناهية الصغر. فقد بلغت الطاقة اللازمة لبعض العمليات الشبكية 54.8 أتو جول (attojoule). والأتو جول يساوي 0.0000000000000000000548 جول. وهو مقدار ضئيل للغاية مقارنة بالأجهزة الإلكترونية التقليدية. ورغم أن أفضل استجابة ضوئية عند 940 نانومتراً تطلبت طاقة أعلى قليلاً، فإن الاستهلاك بقي منخفضاً بصورة لافتة.

ثبات جيد في الهواء

إحدى المشكلات الشائعة في الأجهزة العضوية هي تدهور الأداء عند التعرض للهواء والرطوبة. لكن الباحثين وجدوا أن الجهاز احتفظ بوظائفه الضوئية والشبكية بعد 30 يوماً من التخزين في الهواء المحيط من دون تغليف خاص. وهذا مؤشر مشجع على إمكانية تطويره مستقبلاً للاستخدام العملي.

تجربة مراقبة خفية باستخدام ضوء غير مرئي

لإظهار الإمكانات التطبيقية للجهاز، استخدمه الباحثون كنظام إنذار بصري ففي التجربة أُرسلت حزمة من الأشعة تحت الحمراء 940 نانومتراً. وعندما يصل الضوء إلى الترانزستور يرتفع التيار الكهربائي وحين مرور جسم أمام الحزمة ينقطع الضوء، وينخفض التيار إلى ما دون العتبة المحددة ليُسجل النظام حدوث اقتحام أو حركة. وبما أن الضوء المستخدم غير مرئي للإنسان، فإن عملية المراقبة تتم بصورة خفية بالكامل.

هل يستطيع التعرف على الصور؟

استخدم الفريق حالات التوصيل الكهربائي المختلفة التي يولدها الجهاز كأوزان داخل شبكات عصبية اصطناعية. وجاءت النتائج لافتة بالتعرف على الأرقام المكتوبة يدوياً، وحققت شبكة العصبية الشائكة (Spiking Neural Network) بدقة 96.63%

التعرف على الطائرات

حققت الشبكة العصبية الالتفافية (Convolutional Neural Network) دقة 91.37% عند استخدام الصور الملتقطة تحت إضاءة 940 نانومتراً.

ما الذي لم يتحقق بعد؟

رغم أهمية الإنجاز، فإن الدراسة لا تعني أننا أصبحنا نملك كاميرات عصبية كاملة جاهزة للاستخدام التجاري. فما زالت هناك تحديات تشمل منها بناء مصفوفات تصوير كبيرة، دمج دوائر القراءة الإلكترونية، حماية الطبقات العضوية على المدى الطويل، العمل في ظروف إضاءة معقدة ومتغيرة، وتطوير أنظمة معالجة فورية على الشريحة نفسها.

ما أهمية هذا الإنجاز؟

تكمن أهمية العمل في أنه يدمج ثلاث وظائف داخل جهاز واحد وهي استشعار الضوء غير المرئي، تخزين أثر الإشارة الضوئية، وتنفيذ عمليات أولية لمعالجة المعلومات.

وهذا يمثل خطوة مهمة نحو جيل جديد من أنظمة الرؤية العصبية (Neuromorphic Vision Systems) التي تحاكي طريقة عمل الدماغ البشري، وتستهلك طاقة أقل بكثير من الأنظمة التقليدية. ومع استمرار التطوير قد تصبح هذه التقنية أساساً لكاميرات ذكية قادرة على الرؤية والتذكر والتعلم في الوقت نفسه، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة في مجالات الأمن والمراقبة والروبوتات والذكاء الاصطناعي والرؤية الليلية المتقدمة.

المصدر: https://www.nanowerk.com/spotlight/spotid=69643.php

0مشاركات
Scroll to Top