• الرئيسية
  • الأبحاث
  • الخلايا الشمسية شبه الشفافة: نوافذ تولّد الطاقة دون أن تفقد شفافيتها

الخلايا الشمسية شبه الشفافة: نوافذ تولّد الطاقة دون أن تفقد شفافيتها

Image

في ظل التوجه العالمي المتسارع نحو الأبنية المستدامة والمدن الذكية، يتزايد الاهتمام بالتقنيات القادرة على تحويل مكونات المباني نفسها إلى مصادر منتجة للطاقة. فالمباني تستهلك نسبة كبيرة من الطاقة العالمية، سواء لأغراض التكييف أو الإضاءة أو تشغيل المعدات المختلفة، ومع ذلك لا تزال مساحات واسعة من أسطحها، ولا سيما النوافذ الزجاجية، غير مستغلة في إنتاج الطاقة.

ومن بين الحلول الواعدة التي برزت خلال السنوات الأخيرة تقنية الخلايا الشمسية شبه الشفافة (Semi-transparent Solar Cells)، وهي خلايا تسمح بمرور الضوء إلى داخل المبنى مع تحويل جزء من الطاقة الشمسية إلى طاقة الكهرباء. غير أن معظم المحاولات السابقة واجهت معضلة تقنية أساسية: فكلما ازدادت شفافية الخلية انخفضت كفاءتها في توليد الطاقة، وكلما ارتفعت كفاءتها أصبحت أكثر تعتيماً أو أثرت في ألوان الضوء المار عبرها.

وفي هذا السياق، طور باحثون من المختبر الأيبيري الدولي لتقنية النانو (INL) بالتعاون مع جامعة لوكسمبورغ ومركز أبحاث الطاقة الشمسية والهيدروجين في بادن-فورتمبيرغ (ZSW) نهجاً جديداً قد يغير الطريقة التي ننظر بها إلى النوافذ في المستقبل، بحيث تتحول من عناصر إنشائية سلبية إلى مولدات طاقة كهربائية متكاملة دون المساس بجودة الرؤية أو الراحة البصرية داخل المباني.

المشكلة التقليدية في الخلايا الشمسية الشفافة

تعتمد معظم تقنيات الخلايا الشمسية شبه الشفافة الحالية على تقليل سماكة الطبقة النشطة المسؤولة عن امتصاص الضوء وتحويله إلى طاقة الكهرباء. ويؤدي هذا التخفيف إلى السماح بمرور كمية أكبر من الضوء عبر الخلية، لكن يرافقه عدد من المشكلات التقنية. فكلما أصبحت الطبقة النشطة أرق، انخفضت كمية الضوء الممتصة وبالتالي تراجعت كفاءة تحويل الطاقة. كما أن تقليل السماكة يؤدي غالباً إلى تغيرات في الطيف الضوئي النافذ، مما يسبب ظهور ألوان غير طبيعية أو تشوهات بصرية في المشهد المرئي من خلال النافذة. ولهذا السبب ظلت معظم النوافذ الشمسية المطورة حتى اليوم تعاني من توازن صعب بين الشفافية والكفاءة وجودة الألوان.

فكرة مختلفة: التقسيم المكاني بدلاً من الترقيق

بدلاً من تقليل سماكة الخلية الشمسية، اتبع الباحثون استراتيجية مختلفة تماماً تقوم على ما يمكن ترجمته بـ “التقسيم المكاني” (Spatial Segmentation). وتعتمد الفكرة على تقسيم الخلية الشمسية إلى مجموعة من الشرائط المجهرية الدقيقة جداً (Micro-stripes)، تتخللها مناطق شفافة بالكامل تسمح بمرور الضوء. وبذلك تبقى المادة الكهروضوئية محتفظة بسماكتها الكاملة وكفاءتها الأصلية، بينما يتم التحكم في درجة الشفافية عبر نسبة المساحات الشفافة إلى المساحات المغطاة بالخلايا الشمسية. ومن الناحية البصرية، عندما تصبح هذه الشرائط أصغر من قدرة العين البشرية على تمييزها، يبدو الزجاج وكأنه سطح شفاف ومتجانس تماماً، رغم احتوائه فعلياً على شبكة دقيقة من العناصر الكهروضوئية المنتجة للطاقة.

كيف ترى العين هذه النوافذ؟

تعتمد هذه التقنية على مبدأ معروف في الإدراك البصري البشري. فعندما تكون العناصر المكونة للصورة أصغر من حد التمييز البصري للعين، فإن الدماغ يدمجها في صورة موحدة ومتجانسة. وينطبق الأمر نفسه على النوافذ الشمسية الجديدة. إذ إن الشرائط الكهروضوئية الدقيقة تصبح غير مرئية عملياً للمستخدم، فيظهر الزجاج بلون محايد وشفاف، دون الشعور بوجود مكونات إلكترونية أو أنماط هندسية في داخله. ويمثل هذا الإنجاز جانباً مهماً في التطبيقات المعمارية، لأن نجاح أي نافذة شمسية لا يعتمد فقط على إنتاج طاقة الكهرباء، بل أيضاً على الحفاظ على الراحة البصرية وجمالية المبنى.

أداء بصري يقترب من الضوء الطبيعي

في الدراسة الأولى التي أجراها الفريق البحثي، تم تصنيع نماذج أولية تعتمد على هذه الشرائط المجهرية، وأظهرت النتائج قدرة عالية على نقل الضوء مع الحفاظ على جودة لونية استثنائية. وقد حققت النوافذ قيمة مرتفعة جداً لما يعرف بـ مؤشر تجسيد الألوان (Color Rendering Index – CRI) تجاوزت 99%. ويعد هذا الرقم لافتاً للغاية، لأن قيمة CRI المثالية هي 100، وهي تمثل الضوء الطبيعي للشمس.

وبعبارة أخرى، فإن الألوان التي يراها الأشخاص داخل المبنى عبر هذه النوافذ تبدو مطابقة تقريباً لما تظهر عليه تحت ضوء الشمس الطبيعي، دون أي تشوهات أو انحرافات لونية ملحوظة. وهي نقطة جوهرية في المباني السكنية والمكاتب والمتاجر والمعارض، حيث تؤثر جودة الإضاءة في راحة المستخدمين وإدراكهم للألوان الحقيقية.

أداء كهروضوئي متفوق

أظهرت النتائج المنشورة في مجلة EES Solar أن تقنية التقسيم المكاني توفر أداءً أفضل من الخلايا الشمسية فائقة الرقة التقليدية عند مستويات الشفافية نفسها. ويرجع ذلك إلى أن المادة الكهروضوئية تحتفظ بسماكتها المثلى، وبالتالي تبقى قادرة على امتصاص الضوء وتحويله إلى كهرباء بكفاءة مرتفعة. كما بينت الدراسة إمكانية ضبط أداء الخلية بصورة خطية تقريباً وفق مستوى معيار الشفافية، ما يمنح المهندسين مرونة كبيرة في تصميم الواجهات الزجاجية للمباني. فيمكن اختيار نوافذ أكثر شفافية في بعض المناطق، أو نوافذ ذات إنتاجية كهربائية أعلى في مناطق أخرى، وفق متطلبات التصميم المعماري والطاقة.

استخدام تقنية CIGS الرائدة

اعتمدت النوافذ المطورة على خلايا شمسية رقيقة من مادة: سيلينيد النحاس والإنديوم والغاليوم (Copper Indium Gallium Selenide – CIGS). وتعد هذه المادة من أكثر المواد الواعدة في مجال الخلايا الشمسية الرقيقة، نظراً لما تتمتع به من كفاءة مرتفعة ومرونة تصنيعية واستقرار طويل الأمد والقدرة الجيدة على العمل في ظروف الإضاءة المختلفة. وقد تمكن الباحثون من تحقيق مستويات نفاذية للضوء تجاوزت 50% مع المحافظة على أداء الكهروضوئي المعياري للخلايا الشمسية شبه الشفافة من هذا النوع.

من المختبر إلى الإنتاج الصناعي

غالباً ما تنجح العديد من التقنيات الجديدة داخل المختبر لكنها تواجه صعوبات عند محاولة تصنيعها على نطاق واسع. إلا أن الباحثين لم يكتفوا بإثبات الفكرة نظرياً أو مخبرياً، بل انتقلوا إلى دراسة إمكان تطبيقها باستخدام تقنيات تصنيع قابلة للتوسع الصناعي. وفي الدراسة الثانية المنشورة في مجلة RRL Solar، أظهر الفريق إمكانية تصنيع هذه الخلايا على هيئة وحدات مترابطة (Mini-modules) باستخدام عمليات إنتاج قابلة للتطبيق تجارياً. وهذا يعني أن التقنية ليست مجرد نموذج تجريبي، بل تمتلك فرصاً حقيقية للانتقال إلى الأسواق خلال السنوات المقبلة.

جانب مهم: المواد الخام الحرجة

تشكل المواد الخام المستخدمة في تقنيات الطاقة المتجددة التحدي للاستراتيجية العالمية لأنها من العناصر النادرة أو الحرجة اقتصادياً. ومن مزايا النهج الجديد أنه يسمح باستخدام أكثر كفاءة للمواد الكهروضوئية، كما يسهل مستقبلاً عمليات استعادة وإعادة تدوير بعض العناصر القيمة الموجودة داخل الخلايا الشمسية. ويكتسب هذا الجانب أهمية متزايدة مع توسع في صناعة الطاقة الشمسية عالمياً وارتفاع الطلب على المعادن النادرة.

النوافذ كجزء من محطة الطاقة

إذا نجحت هذه التقنية في الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري الواسع، فقد نشهد تحولاً جذرياً في مفهوم واجهات المباني. فبدلاً من أن تكون النوافذ مجرد عناصر للإنارة الطبيعية والعزل الحراري، ستصبح مكونات نشطة في منظومة إنتاج الطاقة. وفي ناطحات السحاب الحديثة، حيث قد تمثل الواجهات الزجاجية آلاف الأمتار المربعة، يمكن أن تتحول هذه المساحات إلى مولدات كهربائية ضخمة تساهم في تغذية المبنى نفسه بالطاقة. كما يمكن دمجها مع أنظمة إدارة الطاقة الذكية، وأنظمة التخزين، وتقنيات البناء المستدام، لتقليل الاعتماد على الشبكات الكهربائية التقليدية وخفض الانبعاثات الكربونية.

خلاصة

تكشف هذه الأبحاث عن اتجاه جديد في تصميم الخلايا الشمسية شبه الشفافة تعتمد على التقسيم المكاني المجهري بدلاً من تقليل سماكة المواد الكهروضوئية. وقد سمح هذا النهج بتحقيق مزيج من صعوبة الحصول على الشفافية المرتفعة، وجودة الألوان المثالية، وكفاءة جيدة في إنتاج الطاقة. وإذا استمرت النتائج الإيجابية خلال مراحل التطوير القادمة، فقد تتحول النوافذ الزجاجية في الأبنية السكنية والتجارية إلى محطات طاقة صامتة وغير مرئية، قادرة على إنتاج الكهرباء من دون التضحية بالشفافية أو الجمال المعماري، مما يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق رؤية المباني ذاتية الاستهلاك الصفري للطاقة (Net-Zero Energy Buildings) التي تشكل أحد أهداف الاستدامة في العقود القادمة.

0مشاركات
Scroll to Top