تُظهر دوّارات نانوية مصنوعة بتقنية طيّ الحمض النووي (DNA origami) أن توزيع أربعة مكعبات نانوية مغناطيسية على مسافات محددة يمكن أن يوفر عزمًا دورانيًا مناسبًا، مع تقليل التباين في الأداء الناتج عن التحميل الكثيف بالجسيمات.
الحركة الدورانية على المستوى الجزيئي
تعتمد بعض الآلات الجزيئية في الكائنات الحية على الحركة الدورانية لإنجاز وظائفها. وإذا أمكن تطوير أدوات بالغة الصغر تستطيع التفاعل مع أهداف جزيئية منفردة وتطبيق قوة يمكن التحكم فيها على المستوى الجزيئي، فقد تساعد الباحثين على قياس هذه الحركات، وربما التأثير فيها مستقبلًا. وبالنسبة إلى الأنظمة الدورانية، لا تكفي القوة الخطية؛ إذ يجب أن تتحول القوة إلى التواء متحكم فيه، أو عزم دوران (Torque).
وتوفر المجالات المغناطيسية وسيلة جذابة للتحكم عن بُعد في هذه الأنظمة، من دون الحاجة إلى أسلاك أو وصلات ميكانيكية مباشرة. إلا أن الجسيم المغناطيسي النانوي الواحد يمتلك عادةً عزمًا مغناطيسيًا صغيرًا جدًا بحيث لا يستطيع إنتاج عزم دوران مفيد عند استخدام مجالات مغناطيسية ضعيفة نسبيًا، في نطاق بضعة ملي تسلا.
وهنا تظهر فكرة جمع عدة جسيمات مغناطيسية معًا. لكن زيادة عدد الجسيمات ليست كافية وحدها؛ إذ يصبح ترتيبها المكاني عاملًا حاسمًا. فعندما تُحشد الجسيمات بالقرب من بعضها، قد تزداد كمية المادة المغناطيسية، لكن الجسيمات المطلية بالحمض النووي قد تتنافس على المواقع المتاحة، فلا يحتل كل منها الموقع الذي صُمم له. كما أن اختلاف اتجاهات الجسيمات يمكن أن يجعل هياكل متشابهة ظاهريًا تستجيب للمجال المغناطيسي بطرق مختلفة. لذلك، فإن تطوير مشغّل نانوي عملي يتطلب جسيمات تستطيع التجمع وفق نمط محدد، ثم دمج عزومها المغناطيسية بصورة فعالة.
طيّ الحمض النووي لصناعة دوّار نانوي
في دراسة نُشرت في مجلة Advanced Materials تحت عنوان: Magnetic DNA Origami Nanorotors استخدم الباحثون مزيجًا من تقنية طيّ الحمض النووي (DNA Origami) ومكعبات نانوية مغناطيسية مصنوعة من الفريت لتطوير دوّارات نانوية يمكن التحكم في دورانها بواسطة مجال مغناطيسي خارجي.
تعتمد تقنية DNA origami على استخدام خيوط قصيرة من الحمض النووي لطي خيط أطول وفق شكل هندسي محدد مسبقًا، بحيث يمكن إنشاء مواقع ارتباط في مواضع مختارة بدقة.
وهذه القدرة كانت جوهرية في التجربة؛ إذ تمكن الباحثون من تغيير عدد مواقع الارتباط والمسافة بينها، ثم دراسة تأثير ترتيب الجسيمات في كل من عملية التجميع والحركة المغناطيسية للدوّار.
هيكل DNA بطول 400 نانومتر
تكوّن كل دوّار من حزمة صلبة مكوّنة من ستة حلزونات DNA، يبلغ طولها نحو 400 نانومتر.
وثُبّت الدوّار بسطح زجاجي باستخدام وصلة واحدة من البيوتين (Biotin)، بحيث يستطيع الدوران حول نقطة ارتكاز.
أما تحديد موقع الدوّار وزاويته أثناء الحركة، فتم باستخدام أصباغ فلورية وُضعت بالقرب من أحد طرفيه.
وزوّد الباحثون الدوّارات بمكعبات نانوية من الفريت المطعّم بالكوبالت والزنك، وهي الجسيمات المسؤولة عن الاستجابة للمجال المغناطيسي.
وكان العزم المغناطيسي لهذه المكعبات أكبر بنحو 8.5 مرة من العزم المغناطيسي لجسيمات أكسيد الحديد التجارية ذات الحجم المماثل.
التصميم الأول: المزيد من المكعبات ليس دائمًا أفضل
في التصميم الأول، وضع الباحثون عددًا كبيرًا من مواقع الارتباط بالقرب من بعضها على جزء من حزمة DNA.
ونتيجة لذلك حمل الدوّار في المتوسط سبعة أو ثمانية مكعبات نانوية.
وأبدى هذا التصميم استجابة واضحة للمجالات المغناطيسية الخارجية.
فالمجال المغناطيسي الساكن استطاع تقييد الحركة الحرارية العشوائية للدوّارات، بينما تمكن المجال المغناطيسي الدوّار من دفع بعض الدوّارات إلى إكمال دورات كاملة.
وفي أفضل الحالات، ظلت بعض الدوّارات متزامنة مع المجال الدوّار حتى تردد بلغ 10 هرتز.
لكن المشكلة ظهرت عند النظر إلى مجموعة الدوّارات كاملة.
فقد كان الأداء متفاوتًا بدرجة كبيرة من دوّار إلى آخر.
والسبب أن مكعبات DNA المغطاة كانت تتنافس على المساحات المتقاربة، مما أدى إلى اختلاف عدد الجسيمات وترتيبها من بنية إلى أخرى.
وهكذا، فإن زيادة عدد مواقع الارتباط رفعت القدرة المغناطيسية النظرية للدوّار، لكنها جعلت الجهاز أقل قابلية للتنبؤ.
فبعض الدوّارات المحملة بكثافة كانت تتبع المجال الدوّار، بينما كان بعضها الآخر يتأخر عنه بصورة متكررة، في حين استمرت بعض الدوّارات في الحركة العشوائية تقريبًا دون سيطرة مغناطيسية واضحة.
التصميم الثاني: أربعة مكعبات فقط
لذلك اختبر الباحثون تصميمًا مختلفًا جذريًا.
بدلًا من حشد عدد كبير من مواقع الارتباط، استخدموا أربعة مواقع فقط، تفصل بينها مسافة تبلغ 64 نانومترًا.
وهذه المسافة أكبر من حجم المكعب المطلي نفسه.
ورغم أن نحو 54% فقط من الهياكل التي رُصدت حملت أربعة جسيمات منفصلة، فإن زيادة المسافة بين مواقع الارتباط قللت التزاحم بدرجة كافية للحصول على مجموعة أكثر وضوحًا من الدوّارات ذات الجسيمات الأربعة.
والمثير للاهتمام أن هذه الدوّارات، رغم احتوائها على عدد أقل من المكعبات، استطاعت أيضًا اتباع المجالات المغناطيسية الدوّارة.
وكلما ازدادت شدة المجال المغناطيسي، ازداد عدد الدوّارات التي تمكنت من الحركة متزامنة معه.
لكن عند زيادة سرعة الدوران، ازداد التأخر عن المجال وحدثت انزلاقات طورية بصورة أكثر تكرارًا.
وهذا أمر متوقع لأن العزم المغناطيسي الذي يدفع الدوّار إلى الدوران يجب أن يتغلب على عدة عوامل، منها:
مقاومة اللزوجة للسائل
التقلبات الحرارية
التفاعلات مع سطح الزجاج القريب
وفي سائل منخفض اللزوجة، استطاعت الدوّارات متابعة المجال المغناطيسي الدوّار عند ترددات وصلت إلى 40 هرتز، مما أظهر أن استجابتها لم تكن مقيدة بخصائص الوسط الأكثر لزوجة المستخدم في معظم تجارب التتبع.
كيف قاس الباحثون عزم الدوران؟
كان السؤال الأساسي هو: ما مقدار العزم الذي يستطيع هذا الدوّار النانوي إنتاجه فعليًا؟
استخدم الباحثون في البداية طريقة تعتمد على تحديد شدة المجال التي يصبح عندها الدوّار غير قادر على مواصلة الدوران بالتزامن مع المجال الدوّار.
وأعطت هذه الطريقة، المعروفة باسم تحليل فقدان التزامن (Dropout Analysis)، تقديرات للحد الأدنى من العزم تراوحت من بضعة بيكونيوتن·نانومتر إلى نحو 100 بيكونيوتن·نانومتر عند مجال قدره 9 ملي تسلا.
لكن تحديد النقطة الدقيقة التي يفقد عندها الدوّار تزامنه كان صعبًا.
لذلك استخدم الباحثون طريقة أخرى أكثر وضوحًا عُرفت باسم طريقة التثبيت (Clamping).
تعتمد هذه الطريقة على قياس مدى قدرة مجال مغناطيسي ثابت على تقييد التقلبات الزاوية للدوّار، بدلًا من محاولة تحديد لحظة فقدان التزامنه مع مجال دوّار.
وأظهرت القياسات أن متوسط عزم الدوران بلغ نحو 30 بيكونيوتن·نانومتر.
عزم يقترب من محرك جزيئي بيولوجي
لإعطاء هذا الرقم معنى ميكانيكيًا، قارنه الباحثون بقيمة عزم الدوران المرتبطة بتوقف محرك جزيئي بيولوجي معروف باسم:
F₀F₁-ATPase
ويبلغ العزم المبلغ عنه لتوقف هذا المحرك نحو 40 بيكونيوتن·نانومتر.
وبالتالي فإن العزم الذي أنتجته الدوّارات النانوية يقترب من هذا المقياس الميكانيكي.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: هذه المقارنة لا تعني أن الباحثين صنعوا محركًا جزيئيًا قادرًا على أداء وظيفة ATPase.
فالدراسة لم تربط الدوّار بـATPase، ولم تربطه بمستقبل خلوي أو بأي هدف جزيئي آخر.
المقارنة تهدف فقط إلى وضع قيمة العزم التي تم قياسها في نطاق ميكانيكي ذي صلة بالآلات الجزيئية البيولوجية.
لماذا كانت أربعة مكعبات كافية؟
أظهرت الدوّارات المكونة من أربعة مكعبات أيضًا عزمًا مغناطيسيًا فعالًا أكبر مما كان متوقعًا إذا افترضنا أن المكعبات الأربعة ذات اتجاهات عشوائية ولا تتفاعل مع بعضها.
لذلك لجأ الباحثون إلى المحاكاة لمعرفة ما إذا كان الاقتران المغناطيسي بين المكعبات المتجاورة يمكن أن يفسر هذه النتيجة.
عندما سمح النموذج لكل مكعب مرتبط بدرجة حرية دورانية تبلغ نحو 60 درجة، اقترب توزيع العزم المتوقع بدرجة كبيرة من البيانات التي حصل عليها الباحثون بطريقة التثبيت، وتمركز كلاهما بالقرب من القيمة التجريبية نفسها.
وبحسب هذا الافتراض في النموذج، يدعم التوافق بين المحاكاة والتجربة وجود اقتران مغناطيسي جماعي بين الجسيمات المتجاورة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في هذه الدراسة:
إبعاد المكعبات عن بعضها قلل التداخل المكاني، لكنه لم يمنعها من العمل معًا مغناطيسيًا.
أي أن المسافة الأكبر ساعدت الجسيمات على اتخاذ مواقعها بصورة أكثر انتظامًا، في حين ظل بينها قدر كافٍ من التقارب يسمح بتفاعلها المغناطيسي.
ليست آلة نانوية مثالية بعد
رغم النتائج اللافتة، فإن الدوّار لا يزال بعيدًا عن أن يكون آلة نانوية موحدة وقابلة للتصنيع المثالي.
فما يقرب من نصف الهياكل ذات المواقع الأربعة لم يحمل المجموعة المقصودة من أربعة مكعبات منفصلة.
كما وُجدت هياكل تحتوي على:
جسيمات مفقودة.
جسيمات إضافية.
أزواج من الجسيمات المرتبطة معًا (Dimers).
اتجاهات مختلفة للعزوم المغناطيسية.
وقد تتجه بعض العزوم المغناطيسية في اتجاهات متعارضة، أو تميل بعيدًا عن المستوى الذي تُقاس فيه الحركة.
إضافة إلى ذلك، أثرت التفاعلات مع سطح الزجاج في ديناميكيات بعض الدوّارات الفردية.
ولذلك، فإن الوصول إلى تطبيقات بيولوجية حقيقية سيتطلب سيطرة أكثر إحكامًا على عدد الجسيمات المرتبطة واتجاهاتها، إلى جانب تطوير طرق موثوقة لربط الدوّار بهدف جزيئي محدد.
الدرس الأهم: العدد ليس كل شيء
تقدم الدراسة مبدأً مهمًا في تصميم الآلات النانوية المغناطيسية:
عزم الدوران على المستوى النانوي لا يعتمد فقط على قوة الجسيم المغناطيسي أو عدد الجسيمات، وإنما يعتمد أيضًا على قدرة هذه الجسيمات على اتخاذ مواقع محددة والاتحاد في استجابتها المغناطيسية.
وبعبارة أبسط، لم يكن أفضل دوّار هو الذي صُمم ليحمل أكبر كمية ممكنة من المادة المغناطيسية.
بل كان التصميم الأفضل هو الذي منح عددًا أقل من الجسيمات مساحة كافية للانتظام في مواقعها، مع إبقائها قريبة بما يكفي لتعمل معًا.
وهذه الفكرة قد تكون مهمة في المستقبل عند تصميم مشغلات نانوية تستطيع تطبيق عزم مضبوط على مكونات جزيئية محددة.
المرجع:
Michael Berger، Nanowerk Spotlight، استنادًا إلى الدراسة المنشورة في Advanced Materials: “Magnetic DNA Origami Nanorotors.”











