نجح باحثون في تطوير طلاء جديد فائق السواد للسيارات يعتمد على بنية نانوية تجمع بين الكربون الأسود (Carbon Black) والأنابيب النانوية الكربونية (Carbon Nanotubes, CNTs)، بحيث تشكل شبكة مجهرية تعمل على احتجاز الضوء المرئي داخل الطلاء بدلاً من عكسه. ويتميز هذا الابتكار بأنه قابل للتطبيق باستخدام تقنيات الرش الصناعية المعتمدة حاليًا في مصانع السيارات، ما يجعله خطوة مهمة نحو إنتاج طلاءات شديدة السواد قابلة للتصنيع على نطاق واسع.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Matter & Light تحت عنوان: Robust Ultra-Black Automotive Coating with Structural Absorption and High Absorption Efficiency Based on Waterborne Carbon Black/CNT Composite>
لماذا يسعى الباحثون إلى تطوير طلاءات فائقة السواد؟
تحظى الطلاءات فائقة السواد باهتمام متزايد في صناعة السيارات منذ أن كشفت شركة BMW عام 2019 عن سيارة اختبارية مطلية بمادة شديدة السواد تعتمد على مصفوفات الأنابيب النانوية الكربونية العمودية (VACNTs)، والتي عُرفت بقدرتها على امتصاص معظم الضوء الساقط عليها، حتى بدت السيارة وكأنها “ثقب أسود بصري”.
ويرجع هذا التأثير إلى أن تلك الأنابيب النانوية تحتجز الضوء بين جدرانها الدقيقة، فلا ينعكس إلى عين المشاهد إلا جزء ضئيل للغاية، مما يمنح السطح مظهرًا أسود شديد العمق.
ورغم هذه المزايا، فإن استخدام هذه التقنية في الإنتاج التجاري لا يزال محدودًا، لأن تصنيعها يتطلب عمليات معقدة ومكلفة، كما أنها لا تتوافق بسهولة مع معايير المتانة والالتصاق وطرق الرش المستخدمة في خطوط إنتاج السيارات.
كيف تُقاس درجة سواد الطلاء؟
لا تعتمد شدة السواد على لون الصبغة وحده، بل تتحدد بعاملين رئيسيين:
القدرة الذاتية للمادة السوداء على امتصاص الضوء، وهي خاصية ترتبط بطبيعة الصبغة نفسها.
البنية المجهرية للطلاء، والتي قد تُكوّن ما يشبه “مصائد ضوئية” تجعل الأشعة ترتد مرات عديدة داخل السطح قبل أن تتمكن من الخروج، وهو تأثير يحاكي ظاهرة الانعكاس الداخلي الكلي، فيزداد مقدار الضوء الممتص ويقل الضوء المنعكس.
ولهذا السبب فإن تصميم البنية النانوية للطلاء لا يقل أهمية عن اختيار المادة الصبغية.
حدود الطلاءات التقليدية
تعتمد معظم الطلاءات السوداء التجارية على صبغة الكربون الأسود، وهي مادة معروفة بقدرتها العالية على امتصاص الضوء.
لكن الوصول إلى درجات أعلى من السواد يواجه عقبة أساسية، إذ تميل الجسيمات النانوية الصغيرة جدًا إلى الالتصاق ببعضها نتيجة قوى التجاذب بينها، فتتجمع لتكوّن جسيمات أكبر حجمًا، وهو ما يقلل مساحة سطحها الفعالة ويضعف قدرتها على امتصاص الضوء.
ولذلك أصبح من الصعب تحسين درجة السواد بالاعتماد على الكربون الأسود وحده.
فكرة الدراسة
اقترح الباحثون حلاً بسيطًا نسبيًا يعتمد على دمج الكربون الأسود مع الأنابيب النانوية الكربونية داخل مستحلب مائي مستقر للغاية.
فبدلاً من أن تتجمع جسيمات الكربون الأسود عشوائيًا، تتوزع على امتداد الأنابيب النانوية، مكوّنة شبكة مترابطة على المستوى النانوي تشبه في شكلها نقاطًا متصلة بخطوط (Connecting-the-Dots Network).
وتُنشئ هذه الشبكة عددًا كبيرًا من المسارات المعقدة التي تُجبر الضوء على التنقل داخل الطلاء مرات متتالية قبل أن يخرج، مما يزيد كمية الضوء الممتص بصورة ملحوظة.
كيف صُنّع الطلاء؟
بدأ الباحثون بخلط:
الكربون الأسود.
الأنابيب النانوية الكربونية.
الماء منزوع الأيونات.
مادة مشتتة عالية الكفاءة.
مادة مانعة للرغوة.
ثم عولج الخليط باستخدام مطحنة رملية عالية الطاقة لمدة خمس ساعات، حتى تكوّن مستحلب نانوي متجانس يحتوي على نحو 20.5% مواد صلبة.
وللمقارنة، أُعد مستحلب آخر يحتوي على الكربون الأسود فقط وبنفس ظروف التحضير.
بعد ذلك خُلِط كل مستحلب مع مادة رابطة شفافة مائية للحصول على طلاء سائل، ثم خُفف بالماء ورُش باستخدام جهاز الرش الدوار (Rotary Bell Sprayer)، وهو أحد الأجهزة القياسية المستخدمة في مصانع السيارات، قبل أن تُغطى العينات بطبقة حماية شفافة وتجفف داخل فرن عند 130 درجة مئوية لمدة 30 دقيقة.
امتصاص يتجاوز 99.90% من الضوء المرئي
أظهرت القياسات البصرية أن الطلاء الجديد حقق متوسط انعكاس لا يتجاوز 0.08% عبر نطاق الضوء المرئي.
وبمعنى آخر، استطاع الطلاء امتصاص أكثر من 99.90% من الضوء المرئي، وهي نسبة تقترب من أداء أفضل المواد فائقة السواد المعروفة.
ويعزى هذا الأداء إلى الجمع بين عاملين:
الامتصاص الطبيعي المرتفع للكربون الأسود.
البنية النانوية التي تحتجز الضوء داخل الطلاء وتزيد طول المسار الذي يقطعه قبل أن يغادر السطح.
كما أرجع الباحثون هذا التنظيم البنيوي إلى وجود تفاعلات π–π القوية بين جزيئات الكربون الأسود والأنابيب النانوية، والتي ساعدت على اصطفاف الجسيمات على امتداد الأنابيب بدلاً من تجمعها في كتل كبيرة.
تحسن واضح في جودة اللون
لم يقتصر التحسن على انخفاض الانعكاس الضوئي، بل انعكس أيضًا على مؤشرات جودة اللون.
فقد بلغت قيمة Jetness (Mc)، وهي مقياس يعبر عن عمق السواد ونقائه، 328.7 مقارنة بـ 304.3 في الطلاء التقليدي.
أما مؤشر Blackness (My)، الذي يقيس درجة السواد الكلية، فقد وصل إلى 315.0 مقابل 296.4 فقط في الطلاء المعتمد على الكربون الأسود وحده.
وتؤكد هذه النتائج أن الشبكة النانوية الجديدة منحت الطلاء لونًا أكثر عمقًا وأشد تجانسًا.
ماذا عن المتانة؟
أخضع الباحثون الطلاء لاختبارات أولية تحاكي ظروف الاستخدام، شملت:
اختبار الرطوبة لمدة 14 يومًا.
اختبار مقاومة الماء لمدة 10 أيام.
وأظهرت العينات احتفاظًا جيدًا بقوة الالتصاق دون تدهور ملحوظ، وهو ما يشير إلى إمكانية تطوير هذه التقنية للاستخدام العملي.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن اعتمادها صناعيًا يتطلب استكمال اختبارات أخرى تشمل مقاومة الخدش، والتآكل، والأشعة فوق البنفسجية، والتقادم طويل الأمد، وفق المعايير الصارمة لصناعة السيارات.
أهمية الدراسة
تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو تطوير جيل جديد من الطلاءات فائقة السواد يجمع بين الأداء البصري العالي وإمكانية التصنيع الصناعي.
فبدلاً من الاعتماد على هياكل نانوية معقدة يصعب إنتاجها، ابتكر الباحثون طريقة تعتمد على تنظيم جسيمات الكربون الأسود والأنابيب النانوية داخل شبكة مجهرية تزيد احتجاز الضوء، مع الحفاظ على إمكانية تطبيق الطلاء بوسائل الرش المستخدمة بالفعل في مصانع السيارات.
وإذا أثبتت الاختبارات المستقبلية متانته على المدى الطويل، فقد تمهد هذه التقنية الطريق لاستخدام طلاءات شديدة السواد في السيارات، والتصميم الصناعي، والأجهزة البصرية، والتطبيقات التي تتطلب تقليل الانعكاسات الضوئية إلى أدنى حد.
المصدر
Liu, Z., Pan, C., & Cui, J. (2026). Robust Ultra-Black Automotive Coating with Structural Absorption and High Absorption Efficiency Based on Waterborne Carbon Black/CNT Composite. Matter & Light, 1, 100015.
DOI: 10.1016/j.matlit.2026.100015











