• الرئيسية
  • الأبحاث
  • منع الجسيمات البلاستيكية النانوية في الجسم من عبورها الحاجز المعوي

منع الجسيمات البلاستيكية النانوية في الجسم من عبورها الحاجز المعوي

Image

بقلم: مايكل بيرغر**

في السنوات الأخيرة أصبح وجود الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية في الغذاء والماء حقيقة موثقة علمياً. فهذه الجسيمات وُجدت في مياه الشرب، وملح الطعام، والمأكولات البحرية، والعديد من الأغذية اليومية، الأمر الذي يجعل التعرض لها شبه حتمي بالنسبة لمعظم البشر. وبينما تتمكن الأجزاء الأكبر حجماً من مغادرة الجهاز الهضمي مع بقايا الطعام، فإن الجسيمات النانوية الصغيرة جداً تمتلك قدرة مختلفة تماماً؛ إذ تستطيع اختراق الطبقة المخاطية التي تحمي الأمعاء من النفاذ إلى الأنسجة المعوية نفسها.

تكمن الخطورة الحقيقية في أن هذه الجسيمات، بمجرد عبورها جدار الأمعاء، لا تبقى مجرد ملوثات داخل القناة الهضمية، بل تتحول إلى ملوثات جهازية يمكن أن تنتقل عبر مجرى الدم إلى أعضاء متعددة مثل الكبد والكليتين والدماغ. وقد أظهرت دراسات حديثة أن الجسيمات الأصغر حجماً قادرة تتراكم داخل الخلايا العصبية والتأثير في سلوكها ووظائفها الحيوية.

ولهذا السبب يُنظر إلى الأمعاء بوصفها خط الدفاع البيولوجي الأول والأهم ضد اللدائن النانوية التي تدخل الجسم. فإذا أمكن منع هذه الجسيمات من عبور الحاجز المعوي، يمكن تقليل تعرض بقية أعضاء الجسم للمخاطر الصحية.

مشكلة لم تحلها التقنيات الحالية

تركز معظم الاستراتيجيات الحالية على مرحلتين مختلفتين:

مرحلة قبل دخول البلاستيك إلى الجسم بتحسين معالجة المياه أو تقليل التلوث البيئي.
مرحلة ما بعد دخول الجسيمات إلى الأنسجة، عبر استخدام أدوية مضادة للالتهاب أو علاجات التي تحاول الحد من الضرر الناتج.

لكن بقيت هناك فجوة مهمة: كيف يمكن منع الجسيمات البلاستيكية النانوية من عبور الأمعاء بعد ابتلاعها وقبل وصولها إلى الدم؟

في دراسة نُشرت في مجلة Advanced Science بعنوان:

An Edible Biohybrid Platform Accomplishes In Situ Fenton-Mediated Enteral Nanoplastics Aging and Excretion

قدم الباحثون حلاً مبتكراً يعتمد على منصة حيوية هجينة قابلة للأكل صُممت خصيصاً لأداء هذه المهمة.

فكرة الدراسة: لا تدمير البلاستيك بل تغيير سلوكه فالمفهوم الأساسي للدراسة يختلف عن كثير من المحاولات السابقة. الهدف ليس تكسير البلاستيك بالكامل أو التخلص منه كيميائياً، بل إجباره على تغيير سلوكه داخل الأمعاء بحيث يصبح أقل قدرة على اختراق الحاجز المعوي. ولهذا الغرض طوّر الباحثون نظاماً حيوياً يجمع بين ثلاثة مكونات:

-بكتيريا نافعة حية من نوع Enterococcus faecalis.
-مركب بوليفينولي مستخلص من الشاي الأخضر يسمى إيبيغالوكاتشين غالات (EGCG).
-أيونات الحديد الثلاثي Fe³⁺.

وعند عمل هذه المكونات معاً داخل الأمعاء، فإنها تُحدث ما يشبه “شيخوخة كيميائية” للجسيمات البلاستيكية النانوية، فتتحول من جسيمات صغيرة منفصلة وقابلة للحركة إلى كتل أكبر وأكثر خشونة وأقل قدرة على اختراق الأنسجة.

كيف تعمل المنصة الحيوية؟

يعتمد النظام على تفاعل كيميائي معروف باسم: تفاعل فنتون (Fenton Reaction). وهو تفاعل يتوسطه الحديد وينتج جذوراً هيدروكسيلية شديدة النشاط الكيميائي (Hydroxyl Radicals). وتُعد هذه الجذور من أقوى العوامل المؤكسدة المعروفة، ولذلك تستطيع مهاجمة أسطح البوليمرات البلاستيكية وإحداث تغيرات كيميائية فيها. غير أن استخدام هذه الجذور يحمل مشكلة واضحة؛ فلو أُنتجت بكميات كبيرة أو بصورة غير مضبوطة فقد تتسبب أضرارا للأنسجة الحية نفسها.

هنا جاء التصميم الذكي للمنصة الحيوية، إذ جرى توليد هذه الأنواع التفاعلية محلياً وبكميات محدودة جداً قرب الجسيمات البلاستيكية، مما سمح باستهداف البلاستيك مع تقليل الأذى للأنسجة.

دور كل مكوّن
أولاً: البكتيريا النافعة: تقوم بكتيريا E. faecalis بصورة طبيعية بإنتاج بيروكسيد الهيدروجين (H₂O₂) كناتج استقلابي. ويُعد هذا المركب المادة الأولية اللازمة لتفاعل فنتون. كما أن هذه البكتيريا تستطيع الاستقرار مؤقتاً على سطح الأمعاء، مما يجعلها منصة مناسبة لإطلاق التفاعل في المكان المطلوب.

ثانياً: مركب EGCG: وهو أحد أشهر مضادات الأكسدة الموجودة في الشاي الأخضر. ويقوم هذا المركب بعدة وظائف:

-الارتباط بأيونات الحديد.
-تسهيل الدورة الأكسدية الاختزالية للحديد.
-المحافظة على استمرارية تفاعل فنتون.
-تحسين التصاق النظام بطبقة المخاط المعوي.

ثالثاً: الحديد: يعمل كعامل محفز أساسي لإنتاج الجذور المؤكسدة القادرة على تعديل سطح البلاستيك.

ماذا يحدث للجسيمات البلاستيكية؟

عندما خلط الباحثون المنصة الحيوية مع جسيمات بلاستيكية نانوية من البوليسترين (Polystyrene)، لاحظوا تغيرات جوهرية:

-اختفاء المظهر الأملس للجسيمات.
-ظهور خشونة واضحة على السطح.
-تغير البنية الكيميائية السطحية.
-نشوء مجموعات جديدة تحتوي على الأكسجين، وزيادة ميل الجسيمات للالتصاق ببعضها. وبدلاً من بقائها على شكل كرات نانوية منفردة، بدأت تتجمع في كتل أكبر حجماً. وهذه النتيجة مهمة للغاية لأن الجسيمات الكبيرة تكون أقل قدرة على المرور عبر الطبقة المخاطية أو النفاذ بين خلايا الأمعاء.

لماذا لا يكفي التكتل الطبيعي؟

من المعروف أن الجسيمات البلاستيكية قد تتكتل تلقائياً أثناء الهضم بسبب الأملاح و الإنزيمات و البروتينات و تغير درجة الحموضة. ولكن هذه التكتلات غالباً ما تكون ضعيفة ومؤقتة ويمكن أن تتفكك مجدداً.

أما في الدراسة الحالية فإن التكتل نتج عن تعديل كيميائي دائم نسبياً لسطح الجسيمات، مما أدى إلى تكوين تجمعات أكثر استقراراً وأقل قابلية للتفكك قبل طرحها خارج الجسم.

اختبار الحاجز المعوي في المختبر

أنشأ الباحثون نموذجاً مخبرياً يحاكي الحاجز المعوي البشري لدراسة قدرة الجسيمات على العبور. فقد أظهرت النتائج أن المنصة الحيوية النشطة خفضت انتقال الجسيمات البلاستيكية عبر الحاجز إلى 0.80% فقط. كما حققت 96.02% إزالة للجسيمات خلال 24 ساعة. أما البكتيريا وحدها فقد قدمت بعض الحماية بسبب تكوينها حاجزاً فيزيائياً على سطح الأمعاء، لكن النظام الكامل كان أكثر فعالية بوضوح لأنه جمع بين الحاجز البيولوجي والتعديل الكيميائي للجسيمات.


تجارب الفئران

انتقل الباحثون بعد ذلك إلى نموذج حيواني أكثر تعقيداً حيث تعرضت الفئران يومياً لجسيمات بلاستيكية نانوية من البوليسترين عن طريق الفم. وأظهرت الفئران غير المعالجة علامات ضرر معوي واضحة مثل قصر في طول القولون، زيادة الالتهاب، اضطراب بنية الأنسجة وتضرر الزغابات المعوية.

أما الفئران التي تلقت المنصة الحيوية فقد أظهرت انخفاضاً ملحوظاً في الالتهاب، تحسناً في سلامة الأنسجة، استعادة الخلايا الكأسية المنتجة للمخاط والحفاظ على بروتين Occludin-1 المسؤول عن إحكام الوصلات بين الخلايا الظهارية.


ماذا أظهرت الصور المجهرية؟

كانت الصور المجهرية من أكثر نتائج الدراسة إقناعاً. ففي الحيوانات غير المعالجة شوهدت الجسيمات البلاستيكية داخل الطبقات العميقة من جدار الأمعاء. أما بعد العلاج فقد بقيت معظم الجسيمات محصورة قرب السطح المخاطي ولم تتمكن من اختراق الأنسجة بعمق. كما احتوى البراز على تجمعات بلاستيكية كبيرة ذات أسطح خشنة، وهو ما يدعم الفرضية الكاملة للدراسة:

شيخوخة كيميائية → تكتل → منع العبور → طرح مع البراز.

تجربة إضافية على الديدان الشفافة

اختبر الباحثون النظام أيضاً على الدودة النموذجية الشهيرة Caenorhabditis elegans. وهي دودة شفافة تسمح بتتبع الجسيمات الفلورية داخل الجسم. في الديدان غير المعالجة انتشرت الجسيمات البلاستيكية في أنحاء الجسم. أما في الديدان المعالجة فبقيت الإشارة الفلورية محصورة بدرجة أكبر داخل القناة الهضمية، كما تحسن البقاء والحركة مقارنة بالمجموعة غير المعالجة.

هل يقتصر التأثير على البوليسترين؟

لأن البيئة الواقعية تحتوي على أنواع متعددة من البلاستيك، لم يكتف الباحثون بدراسة البوليسترين. لذلك اختبروا أيضاً البولي بروبيلين (Polypropylene) وكانت النتائج متشابهة:

-خشونة سطحية.
-تكتل أكبر.
-انخفاض الاختراق المعوي.
-زيادة الطرح البرازي.

وهذا يشير إلى أن الآلية قد تكون قابلة للتطبيق على فئات متعددة من البوليمرات القابلة للأكسدة.

ماذا عن الأمان؟

يبقى الأمان هو السؤال الأهم ففي اختبارات استمرت 21 يوماً على الفئران، لم يلاحظ الباحثون تغيرات مهمة في الوزن. ولا أضراراً واضحة للكبد وفي الكليتين. ولم تظهر تغيرات مرضية كبيرة في الأعضاء. لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تجيب بعد عن أسئلة طويلة الأمد مثل:

-تأثير الاستخدام الطويل.
-تأثير المنصة على الميكروبيوم المعوي.
-بقاء البكتيريا داخل الجسم لفترات طويلة.
-سلامة الاستخدام لدى البشر.
-الأهمية العلمية للدراسة

تكمن أهمية هذا العمل في أنه يفتح اتجاهاً جديداً تماماً في التعامل مع التلوث البلاستيكي داخل الجسم. فبدلاً من محاولة إزالة البلاستيك من البيئة بالكامل أو علاج الضرر بعد حدوثه، تستهدف هذه المنصة المرحلة الحرجة الواقعة بين الابتلاع والامتصاص. وبعبارة أخرى، لا تدّعي التقنية أنها تدمر اللدائن النانوية نهائياً، بل تجعلها أقل قدرة على التسلل إلى الجسم وأكثر قابلية للطرد عبر الجهاز الهضمي. إن نجاح هذا النهج مستقبلاً قد يؤدي إلى تطوير مكملات غذائية أو منتجات وقائية قادرة على تقليل الحمل الداخلي لللدائن النانوية لدى البشر، وهي خطوة قد تكون ذات أهمية كبيرة في عالم يزداد فيه التعرض لهذه الجسيمات عاماً بعد عام.

**مايكل بيرغر (Michael Berger) هو مؤسس شركة نانوويرك (Nanowerk LLC)، ويتولى منذ عام 2005 تحرير وإدارة أحد أبرز المواقع العالمية المتخصصة في علوم وتقنيات النانو، ويُعد مرجعاً إخبارياً وتحليلياً مهماً لمتابعة التطورات البحثية والتطبيقية في هذا المجال.

0مشاركات
Scroll to Top