أسرعت مواد نانوية مشتقة من البرسيم الحجازي في تحلل البولي إيثيلين، وفي الوقت نفسه دعمت نمو النبات، ما يشير إلى إمكانية الجمع بين النشاط التحفيزي والتوافق الحيوي الأفضل في معالجة البلاستيك داخل أنظمة التربة الخاضعة للتحكم.
عندما يصبح النبات جزءًا من حل مشكلة البلاستيك
لا يكفي أن تكون مادة التنظيف قادرة على مهاجمة الملوثات؛ فعندما تُطلق في التربة أو الماء، تصبح هي نفسها جزءًا من البيئة التي يفترض أن تحميها. وهذا يخلق معضلة صعبة في التعامل مع الملوثات شديدة الاستدامة: فالمواد عالية التفاعل قد تسرّع عملية التحلل، لكنها قد تفرض في المقابل مخاطر بيئية جديدة، في حين أن المعالجة الحيوية قد تكون أكثر توافقًا مع الأنظمة الحية، لكنها غالبًا ما تكون أبطأ في تفكيك المخلفات المقاومة كيميائيًا.
ويُظهر البولي إيثيلين (Polyethylene) هذه المعضلة بوضوح. فتركيب سلسلته الكربونية المستقرة هو ما يمنح الأكياس والأغشية ومواد التغليف قدرتها على البقاء خلال الاستخدام العادي، لكنه في الوقت نفسه يجعل هذه المواد شديدة الاستمرار بعد التخلص منها.
ويمكن للمواد النانوية الكربونية المنشَّطة بالضوء أن تسرّع أكسدة البوليمر، في حين تستطيع النباتات والكائنات الدقيقة المرتبطة بالجذور الإسهام في معالجة الملوثات داخل التربة.
ومن هنا جاءت فكرة الجمع بين المسارين: تحفيز التحلل كيميائيًا، والاستفادة في الوقت نفسه من النظام النباتي والمعالجة النباتية (Phytoremediation)، بما قد يزيد من سرعة تحلل البلاستيك دون التسبب في الأضرار البيولوجية نفسها المرتبطة ببعض المواد النانوية التقليدية.
دراسة نُشرت في مجلة Advanced Science تحت عنوان «استراتيجية دائرية من النبات إلى النبات: الجمع بين التحلل الضوئي والمعالجة النباتية باستخدام مواد نانوية نباتية لتحلل البلاستيك» اختبرت هذه الفكرة باستخدام مواد نانوية مشتقة من الكتلة الحيوية للبرسيم الحجازي.
وفي تجربة أجريت في تربة مزروعة بالبرسيم الحجازي، اقترب أحد أنواع هذه المواد من أداء أفضل نتيجة تحققت باستخدام الأنابيب النانوية الكربونية (Carbon Nanotubes)، وفي الوقت نفسه دعم نمو البرسيم بدلًا من تثبيطه. ولا تعني هذه النتيجة أن المادة آمنة لجميع النباتات أو البيئات؛ لكنها تشير إلى أنه، في هذا النظام التجريبي الخاضع للتحكم، لم يكن النشاط التحفيزي والتوافق مع النبات شرطين متعارضين بالضرورة.
تحلل البولي إيثيلين في التربة
كانت تجربة التربة هي الأكثر وضوحًا في إظهار هذا الفرق. فبعد 90 يومًا، أدى استخدام المادة المشتقة من البرسيم الحجازي بتركيز 150 ملغم/كغم إلى فقدان 11.35% من كتلة غشاء البولي إيثيلين السطحي. وكانت هذه النتيجة قريبة جدًا من أفضل نتيجة حققتها الأنابيب النانوية الكربونية، كما تفوقت بوضوح على أكسيد الغرافين قليل الطبقات (Few-Layer Graphene Oxide).
وأظهرت الأنابيب النانوية الكربونية نشاطًا قويًا في المراحل الأولى من التجربة ثم استقر تأثيرها إلى حد كبير، بينما واصلت عدة أنواع من المواد النانوية المشتقة من البرسيم زيادة فقدان كتلة الغشاء مع نمو النباتات وتطورها.
لكن استجابة النبات كانت أكثر أهمية من مجرد قياس فقدان كتلة البلاستيك. فعند تركيز 150 ملغم/كغم، أدت المادة المشتقة من البرسيم إلى زيادة الكتلة الحيوية للنبات بنسبة 128.5% مقارنة بمجموعة البرسيم والبولي إيثيلين التي لم تتلقَّ المادة النانوية. كما ظهرت عملية الإزهار في هذه المجموعة وحدها. وأظهرت جرعات أخرى أيضًا تحسنًا في بعض مؤشرات النمو.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذه النتائج على أن البلاستيك لم يعد يسبب إجهادًا للنبات. فقد ظهرت علامات اصفرار وجفاف في الأوراق في جميع المجموعات التي احتوت على البولي إيثيلين. ولذلك يبدو أن المادة خففت من الإجهاد الذي سببه البلاستيك، بدلًا من أن تلغي تأثيره بالكامل.
كيف صُنعت المواد النانوية من البرسيم؟
تكمن إحدى النقاط المثيرة للاهتمام في الدراسة في أن الباحثين لم يعتمدوا على مادة نانوية كربونية تقليدية فقط، وإنما حوّلوا الكتلة الحيوية المجففة للبرسيم الحجازي إلى جسيمات نانوية. تم ذلك باستخدام معالجة بالماء تحت درجة حرارة وضغط مرتفعين، أعقبها تنقية للمادة الناتجة.
وعند مقارنة الجسيمات المشتقة من البرسيم بمواد الكربون النانوية التجارية، وجد الباحثون أن المادة النباتية تمتلك مساحة سطح نوعية أكبر بكثير، كما تحمل على سطحها مجموعات غنية بالأكسجين ومجموعات مرتبطة بالمعادن، وتتميز بثبات أكبر عند بقائها معلقة في الوسط. وقد يساعد هذا التشتت الأفضل على إبقاء الجسيمات على تماس مع سطح البلاستيك، بدلًا من تجمعها معًا وتكوين كتل أكبر.
وهذه الخاصية مهمة جدًا في المواد النانوية؛ فكلما حافظت الجسيمات على تشتتها، زادت المساحة السطحية المتاحة للتفاعل مع المادة المستهدفة.
الضوء يحفز عملية تحلل البلاستيك
أجريت تجربة منفصلة لمعرفة التأثير المباشر للمادة على البولي إيثيلين تحت الإضاءة. وتحت أشعة UV-A الاصطناعية، أدى التركيز الأفضل أداءً من المادة المشتقة من البرسيم إلى فقدان 16.09% من كتلة الغشاء بعد 28 يومًا. وكانت هذه النتيجة أفضل من المادتين النانويتين التجاريتين المستخدمتين للمقارنة عند التركيز نفسه.
لكن زيادة كمية المادة المشتقة من البرسيم لم تؤدِّ بالضرورة إلى زيادة التحلل. فعند التركيز الأعلى، تفوقت الأنابيب النانوية الكربونية عليها بشكل طفيف. وهذا يكشف نقطة مهمة: أداء المحفز لا يزداد خطيًا بمجرد زيادة الجرعة، بل يعتمد على التركيز والظروف الفيزيائية والكيميائية للنظام.
أكسدة البلاستيك وتفككه
تشير النتائج إلى حدوث أكسدة وتسارع في تجزئة البولي إيثيلين، وليس إلى التخلص الكامل من البوليمر. فقد أظهرت الأغشية المعالجة علامات كيميائية تدل على الأكسدة، إلى جانب فقدان القوة الميكانيكية وظهور التشققات ثم تفكك المادة.
وتشير دراسات سابقة استشهد بها الباحثون إلى أن أجزاء البولي إيثيلين الأصغر الناتجة عن هذه العملية يمكن أن تدخل لاحقًا في تفاعلات إضافية قد تنتهي، في ظروف مناسبة، إلى التمعدن الكامل (Mineralization) وتحويل الكربون العضوي في النهاية إلى ثاني أكسيد الكربون والماء وأحماض عضوية صغيرة. لكن الدراسة الحالية لم تتبع هذه السلسلة كاملة. ولذلك يجب التمييز بوضوح بين تجزئة البلاستيك وبين إثبات تحوله بالكامل إلى مركبات غير ضارة. فالنتائج الحالية تثبت تسارع الأكسدة والتفكك، لكنها لا تثبت التمعدن الكامل للبولي إيثيلين.
هل تعمل المادة في المياه الطبيعية؟
اختبر الباحثون المادة أيضًا ضد الجسيمات البلاستيكية الدقيقة من البولي إيثيلين عندما استُبدلت مياه المختبر بمياه الأمطار ومياه الأنهار التي جُمعت من البيئة. وظلت المادة قادرة على التأثير في البلاستيك في هذه الأوساط، ما يشير إلى أن اختلاف التركيب الكيميائي للمياه الطبيعية لم يُلغِ النشاط التحفيزي. لكن هذه النتائج لا تعني أن النظام أصبح جاهزًا لتنظيف الأنهار أو البحار.
فالتجارب ظلت تُجرى في ظروف مخبرية خاضعة للتحكم، مع إضاءة UV-A مستمرة وتحريك للمزيج. وبالتالي تثبت النتائج أن وجود مكونات المياه الطبيعية لم يمنع النشاط في ظروف التجربة، لكنها لا تثبت أن المادة ستعمل بالفاعلية نفسها في بيئة مائية مفتوحة وتحت ضوء الشمس الطبيعي.
جذور النبات تدخل في عملية التحلل
عند العودة إلى تجربة التربة، ظهرت ملاحظة مثيرة للاهتمام. بعد 60 يومًا، كانت جذور البرسيم قد امتدت عبر الغشاء البلاستيكي العلوي وتشابكت معه، ما أدى إلى سحب البولي إيثيلين إلى أعماق أكبر داخل الأوعية التجريبية، ووضعه تحت تأثير مباشر للجذور.
وخلال الشهر التالي، ازدادت خسارة كتلة الأغشية الموجودة في الطبقات السفلى في جميع المجموعات التي تلقت المواد النانوية المشتقة من البرسيم. في المقابل، لم تظهر الأنابيب النانوية الكربونية تغيرًا مشابهًا مرتبطًا بالجذور.
ويعطي هذا النمط المكاني دعمًا إضافيًا لفكرة وجود تفاعل بين النبات والمادة المحفزة والبلاستيك، وليس مجرد تأثير تحفيزي مستقل للمادة النانوية.
ماذا عن الكائنات الدقيقة في التربة؟
قد يكون هناك طرف ثالث في هذه العلاقة: الميكروبات المرتبطة بالنبات. أظهرت تحليلات التسلسل أن المواد النانوية المشتقة من البرسيم حفزت تكوين مجتمعات ميكروبية تختلف عن تلك المرتبطة بالمواد الكربونية التجارية. كما زادت وفرة مجموعات ميكروبية معينة سبق ربطها بقدرتها على تحلل البوليمرات أو تحمل البيئات الملوثة.
وأشارت التنبؤات الحاسوبية كذلك إلى تغيرات في بعض الوظائف العامة المرتبطة بالنقل وإزالة السموم، وربط الباحثون هذه التغيرات بعملية التحلل. لكن يجب توخي الحذر هنا؛ فهذه كانت تنبؤات حاسوبية وليست قياسات مباشرة لنشاط الجينات، كما أنها لم تكن جينات محددة خاصة بتحلل البولي إيثيلين. لذلك لا يمكن من هذه النتائج وحدها إثبات أن التغير في المجتمع الميكروبي هو الذي تسبب مباشرة في تحلل البلاستيك.
ماذا يحدث للبلاستيك داخل النبات؟
من أكثر الأسئلة أهمية في أي معالجة نباتية للبلاستيك: هل يمتص النبات الجسيمات البلاستيكية وينقلها إلى أجزائه الأخرى؟
أظهرت الصبغات الفلورية وجود إشارات تشير إلى وصول البولي إيثيلين إلى الجذور. لكن التوهج الذاتي (Autofluorescence) في أنسجة النبات جعل من الصعب تحديد ما إذا كانت الجسيمات قد وصلت بالفعل إلى العُقد الجذرية أو السيقان أو الأوراق.
ولهذا خلصت الدراسة إلى عدم وجود دليل مؤكد على انتقال البلاستيك إلى الأجزاء الهوائية للنبات في ظروف التجربة، لكنها لم تثبت استحالة حدوث هذا الانتقال. كما أن الدراسة لم تقيس بصورة مباشرة المصير طويل الأمد للمواد النانوية المشتقة من البرسيم نفسها، بما في ذلك بقاؤها في البيئة أو تحللها الحيوي أو تراكمها. وهذه نقاط مهمة جدًا قبل التفكير في استخدام هذه التقنية على نطاق بيئي واسع.
هل نحن أمام استراتيجية دائرية فعلًا؟
يقترح الباحثون ما يسمونه استراتيجية دائرية من النبات إلى النبات. الفكرة تقوم على استخدام الكتلة الحيوية النباتية لإنتاج مادة نانوية تساعد على معالجة البلاستيك، ثم الاستفادة من الأنظمة النباتية والميكروبية للمساعدة في استمرار دورة المعالجة. لكن هذا المفهوم لا يزال أكثر تطورًا من الناحية النظرية منه كتطبيق جاهز للاستخدام.
فإنتاج المادة يتطلب معالجة حرارية مائية تحت ضغط وحرارة مرتفعين، إضافة إلى مرحلة تنقية طويلة. ولذلك فإن المزايا المتعلقة بالطاقة والتكلفة لم تُحسم بعد، وتحتاج إلى تقييم كمي شامل.
كما طرحت الدراسة أفكارًا مستقبلية لاستخدام مخلفات النباتات المنزلية كمادة أولية، ووحدات صغيرة تعمل بالأشعة الشمسية أو فوق البنفسجية، وربما تطبيقات على مستوى الحدائق. لكن أيًا من هذه التطبيقات لم يُختبر في الدراسة. كذلك لم يثبت أن ضوء الشمس الطبيعي قادر على تكرار الأداء الذي تحقق تحت الأشعة فوق البنفسجية UV-A المستخدمة في المختبر.
خطوة واعدة، لكنها ليست نهاية مشكلة البلاستيك
لا تقدم هذه الدراسة حلًا نهائيًا لمشكلة تلوث البيئة بالبولي إيثيلين، لكنها تتعامل مع واحدة من أهم التحديات في تصميم مواد معالجة الملوثات: كيف نجعل المادة فعالة في تفكيك الملوث، من دون أن تصبح هي نفسها مصدرًا لمشكلة بيئية جديدة؟
في هذه التجارب الخاضعة للتحكم، نجحت مادة نانوية مشتقة من الكتلة الحيوية للبرسيم الحجازي في تسريع أكسدة البولي إيثيلين، وفي الوقت نفسه سمحت للنبات بالبقاء منتجًا، بل أظهرت النباتات عند أقوى معالجة تحسنًا كبيرًا في النمو مقارنة بمجموعة البولي إيثيلين غير المعالجة بالمادة النانوية. لكن السؤال الحاسم يبقى: هل ستحتفظ هذه الميزة نفسها بفاعليتها في ظروف الحقل الحقيقية؟
ذلك يتطلب اختبار المادة تحت ضوء الشمس الطبيعي، وفي أنواع مختلفة من التربة، ومع دورات استخدام متكررة، وعلى فترات زمنية أطول، مع دراسة دقيقة لمصير المادة النانوية والبلاستيك والكائنات الدقيقة والنباتات. إذا أكدت هذه الدراسات المستقبلية النتائج الحالية، فقد تمثل الفكرة اتجاهًا مثيرًا في المعالجة البيئية المعتمدة على المواد النانوية النباتية، حيث لا تُستخدم النانو تكنولوجية لمهاجمة الملوثات فحسب، بل تُصمم بحيث تعمل بالتكامل مع النظام البيولوجي المحيط بها.
المصدر: Michael Berger، Nanowerk، اعتمادًا على الدراسة المنشورة في Advanced Science:
The Plant-to-Plant Circular Strategy: Coupling Photodegradation and Phytoremediation With Plant-Based Nanomaterials for Plastic Degradation.











