جهاز نانوي جديد يفتح آفاقًا للكشف السريع عن السرطان دون إجراءات تدخليّة

Image

يشهد مجال تشخيص السرطان تحولًا متسارعًا نحو تقنيات أكثر دقة وأقل إزعاجًا للمرضى، خصوصًا مع تنامي الاهتمام بما يُعرف بـ الخزعة السائلة (Liquid Biopsy)، وهي مجموعة من التقنيات التي تسمح بالحصول على معلومات تشخيصية من سوائل الجسم مثل الدم أو البول بدلاً من اللجوء إلى أخذ عينات نسيجية جراحية من الورم نفسه.

وفي هذا السياق، أعلن فريق بحثي ياباني بقيادة البروفيسور Takao Yasui من Nagoya University عن تطوير جهاز نانوي جديد يعتمد على أسلاك نانوية من أكسيد الزنك (Zinc Oxide Nanowires) قادرة على التقاط المؤشرات الحيوية المرتبطة بالسرطان بكفاءة عالية من عينات الدم، الأمر الذي قد يمهد الطريق لتشخيص أكثر سرعة ودقة لمجموعة واسعة من الأورام السرطانية.

الحويصلات خارج الخلوية: رسائل خفية تحمل أسرار السرطان

تعتمد التقنية الجديدة على استهداف ما يُعرف بـ الحويصلات خارج الخلوية (Extracellular Vesicles – EVs)، وهي جسيمات نانوية الحجم تفرزها الخلايا باستمرار إلى البيئة المحيطة بها.

وتحمل هذه الحويصلات في داخلها شحنات جزيئية مهمة تشمل:

الحمض النووي الريبي الميكروي (microRNA)
الحمض النووي الريبي الريبوزي (mRNA)
البروتينات السطحية المميزة للخلايا الأصلية

ولأن الخلايا السرطانية تطلق بدورها حويصلات خارج خلوية تحمل بصمتها الجزيئية الخاصة، فإن تحليل هذه الحويصلات يوفر نافذة فريدة لفهم حالة الورم دون الحاجة للوصول المباشر إليه.

غير أن التحدي الأساسي يتمثل في أن الدم يحتوي على أعداد هائلة من الحويصلات الصادرة عن خلايا سليمة، مما يجعل عزل الحويصلات السرطانية تحديدًا عملية معقدة وصعبة باستخدام الطرق التقليدية.

مشكلة الالتقاط الانتقائي

قد نجحت سابقًا المجموعة البحثية في تطوير أسلاك نانوية من أكسيد الزنك قادرة على التقاط الحويصلات خارج الخلية بكفاءة مرتفعة، إلا أن الهدف الجديد كان أكثر طموحًا: التقاط الحويصلات السرطانية فقط مع استبعاد غيرها من الحويصلات الموجودة في الدم.

ولتحقيق ذلك احتاج الباحثون إلى تثبيت أجسام مضادة متخصصة على سطح الأسلاك النانوية بحيث تتعرف على بروتينات مميزة للحويصلات الصادرة من الخلايا السرطانية.

لكن طرق التثبيت الكيميائي التقليدية كانت تعاني من مشكلتين رئيسيتين وهما التقاط بروتينات غير مرغوبة، والحاجة إلى خطوات تحضير طويلة ومعقدة.

لذلك طور الفريق بوليمرًا صناعيًا جديدًا من عائلة البوليكيتونات (Polyketones)، وأنتجوا ستة نماذج مختلفة منه. وبعد سلسلة من الاختبارات تبين أن الصيغة المسماة pKNHS 4.2 توفر أفضل ثبات كيميائي وأعلى كفاءة في تثبيت الأجسام المضادة على الأسلاك النانوية.

ارتفاع كفاءة الالتقاط إلى 90%

اختبر الباحثون النظام الجديد على خلايا سرطان الثدي في المختبر. وأظهرت النتائج أن الأسلاك النانوية غير المعدلة استطاعت التقاط نحو 65% فقط من الحويصلات المستهدفة. أما عند تزويدها بالأجسام المضادة المناسبة فقد ارتفعت كفاءة الالتقاط إلى 90%، وهو تحسن كبير يعكس القدرة العالية للنظام على التمييز بين الحويصلات المختلفة.

تجربة سريرية أولية على سرطان المبيض

بعد نجاح التجارب المخبرية، انتقل الفريق إلى دراسة عينات حقيقية من البشر، وقد شملت الدراسة ست مريضات مصابات بسرطان المبيض المصلي عالي الدرجة (High-Grade Serous Ovarian Carcinoma). وستة أشخاص غير مصابين بالسرطان.

واستخدم الباحثون ثلاثة أجسام مضادة تستهدف الواسمات الجزيئية (CLDN3 و FOLR1 و TROP2) وهي بروتينات ترتبط بشكل وثيق بخلايا سرطان المبيض.

اكتشاف بصمات جزيئية مميزة للورم

بعد عزل الحويصلات وتحليل محتواها من الحمض النووي الريبي الميكروي (microRNA)، اكتشف العلماء وجود فروق واضحة بين المرضى والأصحاء. كما تم تحديد:

126 جزيئًا من microRNA ظهرت في جميع الحويصلات المرتبطة بالسرطان.
40 جزيئًا مميزًا للحويصلات المرتبطة بـ CLDN3.
37 جزيئًا مميزًا للحويصلات المرتبطة بـ FOLR1.
45 جزيئًا مميزًا للحويصلات المرتبطة بـ TROP2.

وتشير هذه النتائج إلى أن الأنماط المختلفة من الحويصلات السرطانية تحمل رسائل جزيئية مختلفة، ما قد يساعد مستقبلاً في بناء اختبارات أكثر دقة لتحديد نوع الورم ومرحلته البيولوجية.

لماذا يمثل هذا التطور خطوة مهمة؟

تكمن أهمية هذا الإنجاز في أنه يجمع بين عدة مزايا رئيسية وهي الاعتماد على عينة دم بسيطة، وعدم الحاجة إلى إجراءات جراحية أو أخذ خزعات نسيجية، والحفاظ على البروتينات والغشاء الخارجي للحويصلات سليمة، والحفاظ على جزيئات microRNA الداخلية دون تلف، وأخيرا إمكانية إجراء تحاليل جزيئية شديدة الحساسية للسرطان.

ووفقًا للباحثين، فإن الجهاز الجديد لا يكتفي بالتقاط الحويصلات بكفاءة مرتفعة، بل يحافظ أيضًا على محتواها الحيوي بصورة تسمح بدراسة الحالة السرطانية بدقة غير مسبوقة.

آفاق مستقبلية

يرى الفريق البحثي أن هذه المنصة النانوية قد تصبح أساسًا لجيل جديد من تقنيات الخزعة السائلة، ليس فقط لسرطان المبيض، بل لعدد كبير من السرطانات الأخرى. كما يخطط الباحثون لتوسيع نطاق التقنية بحيث تستطيع التقاط أنواع أكثر تخصصًا من الحويصلات خارج الخلوية، ومقارنتها بالاختبارات السريرية المستخدمة حاليًا تمهيدًا لاعتمادها في التشخيص المبكر للأورام.

نُشرت النتائج في مجلة Device تحت عنوان:

Discrete polyketones enable antibody click conjugation for selective exosome profiling

وقد شارك في البحث علماء من:

Nagoya University
Hokkaido University
Kyoto University
Institute of Science Tokyo
National Institutes for Quantum Science and Technology.

0مشاركات
Scroll to Top