تطوير طريقة جديدة وبسيطة لتحضير عناقيد نانوية من الإيريديوم بدقة ذرية عالية

Image

في إنجاز علمي قد يسهم في تسريع التحول العالمي نحو اقتصاد الهيدروجين الأخضر، نجح فريق بحثي دولي من باحثين في Tohoku University وTokyo University of Science وVanderbilt University وUniversity of Adelaide في تطوير طريقة جديدة وبسيطة للغاية لتحضير عناقيد نانوية من الإيريديوم بدقة ذرية عالية في ظروف الهواء العادي، دون الحاجة إلى بيئات معزولة أو أنظمة حماية معقدة.

وتُعد هذه النتيجة ذات أهمية كبيرة لأن الإيريديوم يُعتبر أحد أهم العناصر المستخدمة في إنتاج الهيدروجين الأخضر عبر التحليل الكهربائي للماء، لكنه في الوقت نفسه من أندر المعادن وأغلاها ثمناً، مما يشكل عقبة رئيسية أمام التوسع التجاري لهذه التقنية.

وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Journal of the American Chemical Society تحت عنوان Precise Synthesis of ~1 nm Iridium Nanoclusters as a Catalyst for Efficient Oxygen Evolution.

لماذا يحتاج الهيدروجين الأخضر إلى محفزات متطورة؟

يعتمد إنتاج الهيدروجين الأخضر على عملية التحليل الكهربائي للماء، حيث يتم فصل الماء إلى هيدروجين وأكسجين باستخدام الكهرباء المتجددة. غير أن إحدى أصعب مراحل هذه العملية هي ما يُعرف بـتفاعل تطور الأكسجين (Oxygen Evolution Reaction – OER).
وهو التفاعل الذي يحدث عند القطب الموجب (Anode) ويتطلب طاقة مرتفعة نسبياً، كما يجري في وسط شديد الحموضة والتآكل.

في مثل هذه الظروف القاسية لا تستطيع معظم المعادن الصمود لفترات طويلة، بينما يُعد الإيريديوم من المواد القليلة القادرة على الحفاظ على نشاطها التحفيزي واستقرارها الكيميائي. لكن المشكلة أن الإيريديوم معدن نادر للغاية، ولذلك يسعى الباحثون منذ سنوات إلى تقليل كمية الإيريديوم المستخدمة مع الحفاظ على كفاءة التحفيز أو تحسينها.

الفكرة الأساسية: كلما صغر الجسيم زادت كفاءته

لفهم أهمية الدراسة، يمكن تخيل قطعة معدنية كبيرة مقارنة بمجموعة من القطع الصغيرة جداً من المعدن نفسه. عندما يتقلص حجم الجسيم إلى المقياس النانوي، تزداد نسبة الذرات الموجودة على السطح مقارنة بالذرات الموجودة في الداخل. وبما أن التفاعلات الكيميائية تحدث أساساً على السطح، فإن زيادة مساحة السطح تعني زيادة عدد المواقع النشطة القادرة على تسريع التفاعل.

لهذا السبب يسعى العلماء إلى تصنيع العناقيد النانوية المعدنية (Metal Nanoclusters). وهي تجمعات صغيرة جداً تحتوي أحياناً على عشرات الذرات فقط. وفي هذه الدراسة تمكن الباحثون من إنتاج عناقيد مكونة من 15 ذرة إيريديوم فقط. وهو مستوى مذهل من التحكم البنيوي يُعرف باسم الدقة الذرية (Atomic Precision).

العقبة الكبرى: الأكسدة السريعة

رغم أن تصغير الجسيمات يزيد النشاط التحفيزي، فإنه يخلق مشكلة جديدة. فكلما ازدادت مساحة السطح أصبحت الذرات أكثر عرضة للتفاعل مع الأكسجين الموجود في الهواء، مما يؤدي إلى أكسدتها وفقدان استقرارها. ولهذا السبب تُحضَّر معظم العناقيد المعدنية الدقيقة في بيئات خالية من الأكسجين والرطوبة باستخدام تجهيزات مخبرية معقدة ومكلفة.

أما في الدراسة الجديدة فقد نجح الفريق في تجاوز هذه العقبة بطريقة مبتكرة حيث تمكن الباحثون من حماية العناقيد النانوية اعتمادهم على دمج تقنيتين معروفتين وهما طريقة الاختزال بالبوليول باستخدام الإيثيلين غليكول. وتقنية تبادل الروابط الكيميائية (Ligand Exchange).

ثم قاموا بتغليف عنقود الإيريديوم بطبقتين مختلفتين من الجزيئات الواقية بطبقة أول أكسيد الكربون (CO)، وبطبقة ثلاثي فينيل الفوسفين (PPh₃). عمل هذان المركبان كدرع جزيئي يحمي ذرات الإيريديوم من الأكسدة.

والنتيجة كانت مذهلة بأن تم تحضير العناقيد النانوية بالكامل في الهواء الطلق مع الحفاظ على ثباتها البنيوي ومقاومتها العالية للأكسدة.

أصغر من معظم الجسيمات النانوية التقليدية

بعد تصنيع العناقيد، قام الباحثون بتحميلها على دعامة من الكربون الأسود (Carbon Black) وكان متوسط حجم الجسيمات الناتجة (0.9) نانومتر فقط. وللمقارنة، فإن معظم الجسيمات النانوية المستخدمة صناعياً يتراوح حجمها بين (5 و50) نانومتراً. وهذا يعني أن الجسيمات الجديدة أصغر بعدة مرات من المحفزات التقليدية.

أداء تحفيزي يتفوق على المحفزات التجارية

عند اختبار المحفز الجديد في تفاعل تطور الأكسجين، أظهر نتائج لافتة. فقد بلغت الفعالية الكتلية (Mass Activity) حوالي (1.5) مرة أعلى من المحفزات التجارية المعتمدة على الإيريديوم.

وتكمن أهمية هذا المؤشر في أنه يقيس كمية النشاط التحفيزي الناتجة من كل غرام من المعدن المستخدم. بمعنى آخر يمكن الحصول على أداء أعلى باستخدام كمية أقل من الإيريديوم، وهو ما ينعكس مباشرة على خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر.

استقرار طويل الأمد

غالباً ما تفقد الجسيمات النانوية فائقة الصغر كفاءتها بسرعة بسبب التكتل أو التآكل. لكن الباحثين وجدوا أن المحفز الجديد حافظ على أدائه دون تدهور ملحوظ لأكثر من (20) ساعة تشغيل متواصلة وهو مؤشر مهم على إمكانية استخدامه عملياً في أنظمة التحليل الكهربائي المستقبلية.

لماذا أصبح المحفز أكثر كفاءة؟

أظهرت التحليلات المتقدمة أن تصغير حجم الإيريديوم إلى هذا المستوى أدى إلى ظهور ما يسمى الحالة الكاتيونية للإيريديوم (Cationic Iridium State). أي أن ذرات الإيريديوم أصبحت تعاني نقصاً طفيفاً في الإلكترونات. هذا التغيير الإلكتروني جعل سطح المحفز أكثر قدرة على امتصاص الجزيئات الوسيطة للتفاعل، وتسهيل تفكك جزيئات الماء، و تسريع إنتاج الأكسجين. كما عزز آلية تعرف باسم آلية أكسدة أكسجين الشبكة البلورية (Lattice Oxygen Oxidation Mechanism). وهي من أكثر الآليات كفاءة في تفاعلات تطور الأكسجين.

ماذا يعني هذا لمستقبل الطاقة؟

إذا أمكن توسيع هذه التقنية إلى المستوى الصناعي، فقد تساهم في خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر. وتقليل استهلاك الإيريديوم النادر. وزيادة كفاءة أجهزة التحليل الكهربائي. وتسريع انتشار وقود الهيدروجين النظيف. ودعم التحول العالمي بعيداً عن الوقود الأحفوري.

كما أن المنهجية الجديدة قد لا تقتصر على الإيريديوم فقط، بل يمكن تطبيقها مستقبلاً على معادن نانوية أخرى تستخدم في التحفيز الكيميائي والطاقة المتجددة.

المصدر: https://www.nanowerk.com/nanotechnology-news3/newsid=69639.php

0مشاركات
Scroll to Top