مع تزايد الاهتمام العالمي بالطاقة المتجددة، تبرز الخلايا الشمسية البيروفسكايتية (Perovskite Solar Cells – PSCs) باعتبارها واحدة من أكثر التقنيات الواعدة في الجيل القادم من الخلايا الكهروضوئية. فقد حققت هذه الخلايا خلال السنوات الأخيرة قفزات كبيرة في الكفاءة، مع احتفاظها بميزات مهمة تشمل خفة الوزن والمرونة وإمكانية التصنيع منخفض التكلفة، مما يجعلها مناسبة لتطبيقات واسعة تمتد من الإلكترونيات القابلة للارتداء إلى الواجهات الزجاجية المنتجة للطاقة في المباني الذكية. إلا أن النجاح التجاري المتوقع لهذه التقنية يطرح سؤالاً بيئياً مهماً: ماذا سيحدث لهذه الخلايا عندما تصل إلى نهاية عمرها التشغيلي؟
هذا السؤال دفع فريقاً بحثياً من جامعة كانازاوا اليابانية إلى تطوير تقنية جديدة لإعادة تدوير الخلايا الشمسية البيروفسكايتية المرنة، تتيح استعادة الرصاص السام والمعادن الثمينة في عملية واحدة عالية الكفاءة، وهو إنجاز قد يساهم في جعل هذه التكنولوجيا أكثر استدامة وقبولاً من الناحية البيئية. وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة ACS Sustainable Chemistry & Engineering المتخصصة في الكيمياء والهندسة المستدامة.
لماذا تحظى الخلايا البيروفسكايتية بكل هذا الاهتمام؟
تختلف الخلايا البيروفسكايتية عن الخلايا الشمسية السيليكونية التقليدية في بنيتها وخصائصها الفيزيائية. فهي تعتمد على مواد ذات بنية بلورية خاصة تُعرف باسم البيروفسكايت، تمتلك قدرة استثنائية على امتصاص الضوء وتحويله إلى كهرباء بكفاءة مرتفعة. ومن أبرز مزاياها في كفاءة تحويل ضوئي مرتفعة، إمكانية تصنيعها على رقائق مرنة، وزنها خفيف للغاية، إمكانية إنتاجها بتكاليف أقل من السيليكون، وملاءمتها للتطبيقات المحمولة والقابلة للارتداء. لكن هذه المزايا تأتي مع تحدٍّ مهم، إذ تعتمد معظم الخلايا البيروفسكايتية عالية الأداء على عنصر الرصاص (Lead – Pb)، وهو معدن سام معروف بتأثيراته الضارة على الإنسان والبيئة.
الرصاص: سر الكفاءة ومصدر القلق
يلعب الرصاص دوراً أساسياً في تحقيق الكفاءة العالية لهذه الخلايا، لكن وجوده يثير مخاوف بيئية متزايدة. فعند انتهاء العمر التشغيلي للخلايا أو تعرضها للتلف، يمكن أن يتسرب الرصاص إلى البيئة المحيطة إذا لم تتم معالجة النفايات بصورة صحيحة. ولا يقتصر الأمر على الرصاص فقط، إذ تحتوي هذه الخلايا أيضاً على معادن استراتيجية مرتفعة القيمة مثل الذهب (Gold – Au)، والإنديوم (Indium – In). وهي عناصر حيوية للصناعات الإلكترونية وتقنيات الطاقة المتقدمة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير تقنيات إعادة تدوير فعالة تستطيع منع تسرب الرصاص السام مع استعادة المعادن الثمينة، تقليل النفايات الصناعية، دعم الاقتصاد الدائري للموارد، وتقنية إعادة التدوير الجديدة
قاد الدراسة كل من البروفيسور تيتسويا تايما (Tetsuya Taima)
الأستاذ المشارك محمد شهيد الزمان (Md. Shahiduzzaman) بالتعاون مع باحثين آخرين من جامعة كانازاوا. وتمكن الفريق من تطوير نظام إعادة تدوير يعتمد على:
أولاً: المعالجة الحمضية المخففة
يتم استخدام محلول حمضي منخفض التركيز لإذابة المكونات المعدنية الموجودة داخل الخلية الشمسية المستهلكة. ويتميز هذا الأسلوب بأنه أكثر أماناً من الأحماض القوية، أقل إنتاجاً للنفايات الثانوية، مناسب للتطبيقات الصناعية واسعة النطاق.
ثانياً: الاحتجاز السطحي الانتقائي
بعد إذابة المعادن، تُستخدم مواد االاحتجاز السطحي خاصة لالتقاط كل معدن بصورة انتقائية وفصله عن بقية المكونات. وهذه الخطوة تسمح باستخلاص المعادن المطلوبة بدرجة نقاء مرتفعة.
نتائج استثنائية في استرداد المعادن
أظهرت التجارب أن التقنية الجديدة حققت معدلات استرجاع مرتفعة للغاية حيث كانت نسبة الاسترداد الرصاص (Pb) 99.7%، الذهب (Au) 91.6%، والإنديوم (In) 100%. وتُعد هذه الأرقام من أعلى نسب الاسترداد المسجلة للخلايا الشمسية البيروفسكايتية المرنة. والأهم من ذلك أن النظام نجح في العمل مع الخلايا الجديدة، الخلايا المتدهورة، والوحدات الشمسية الكاملة. مما يزيد من فرص تطبيقه عملياً في المستقبل.
كيف تعمل العملية؟
يمكن تبسيط العملية في أربع مراحل رئيسية ففي المرحلة الأولى يتم جمع الخلايا المنتهية الصلاحية بتجميع الوحدات البيروفسكايتية المستهلكة أو التالفة. وفي المرحلة الثانية يتم الإذابة الحمضية حيث يُستخدم محلول حمضي مخفف لاستخراج المعادن الموجودة داخل الطبقات المختلفة للخلايا. وفي المرحلة الثالثة يتم الامتزاز (الاحتجاز السطحي) والفصل الانتقائي لتُلتقط أيونات المعادن المختلفة بواسطة مواد متخصصة مصممة لفصل كل عنصر على حدة. وفي المرحلة الرابعة يتم استعادة الموارد والحصول على مواد الرصاص، الذهب، والإنديوم بصورة تسمح بإعادة استخدامها في عمليات التصنيع المستقبلية.
نحو اقتصاد دائري للخلايا الشمسية
يشير مفهوم الاقتصاد الدائري (Circular Economy) إلى نظام صناعي لا تنتهي فيه المواد إلى النفايات، بل تعاد باستمرار إلى دورة الإنتاج. وفي حالة الخلايا البيروفسكايتية، يمكن أن يؤدي دمج أنظمة إعادة التدوير منذ البداية إلى تقليل الحاجة إلى التعدين، خفض تكلفة المواد الخام، تقليل التلوث البيئي، وزيادة قبول التكنولوجيا لدى الجهات التنظيمية. ويعتقد الباحثون أن نجاح مثل هذه التقنيات سيكون عاملاً حاسماً في الانتقال من المختبرات إلى الإنتاج التجاري الواسع.
أهمية الدراسة لصناعة الطاقة الشمسية
تمثل هذه الدراسة أكثر من مجرد تحسين تقني في مجال إعادة التدوير. فهي تعالج أحد أكبر العوائق التي تواجه تسويق الخلايا الشمسية البيروفسكايتية، وهو القلق المرتبط باستخدام الرصاص. فإذا أمكن استرداد ما يقارب 100% من الرصاص الموجود داخل الخلايا عند نهاية عمرها التشغيلي، فإن المخاطر البيئية المرتبطة بهذه التقنية ستنخفض بصورة كبيرة. كما أن استعادة الذهب والإنديوم تضيف بعداً اقتصادياً مهماً، لأن هذه المعادن مرتفعة القيمة ويزداد الطلب العالمي عليها باستمرار.
رؤية مستقبلية
مع اقتراب الخلايا الشمسية البيروفسكايتية من مرحلة الانتشار التجاري الواسع، لن يكون النجاح مرهوناً بالكفاءة فقط، بل بقدرتها أيضاً على تحقيق الاستدامة عبر دورة حياتها الكاملة. وتقدم الدراسة اليابانية الجديدة نموذجاً عملياً لكيفية تحويل الخلايا المنتهية الصلاحية من مصدر محتمل للتلوث إلى مصدر للمواد الخام القابلة لإعادة الاستخدام. وبذلك تقترب الطاقة الشمسية البيروفسكايتية خطوة إضافية من تحقيق وعدها الكبير بإنتاج كهرباء نظيفة بكفاءة مرتفعة، مع المحافظة على الموارد وتقليل الأثر البيئي في الوقت نفسه.
المصدر الأصلي:https://techxplore.com/news/2026-06-toxic-recovery-flexible-perovskite-solar.html?utm_source=nwletter&utm_medium=email&utm_campaign=daily-nwletter











