طوّر باحثون مستشعرًا يعتمد على مسام نانوي بروتيني قادرًا على التمييز بين سبعة أنواع من السموم التي تنتجها البكتيريا الزرقاء أثناء نموها، كما تمكن من الكشف عن أحد أكثر هذه السموم شيوعًا بتركيزات تقل كثيرًا عن القيم الإرشادية التي حددتها منظمة الصحة العالمية لمياه الشرب.
خطر خفي في مياه البحيرات
تُعد ظاهرة نمو البكتيريا الزرقاء (Cyanobacterial Blooms) من المشكلات البيئية والصحية التي يمكن أن تظهر في المياه العذبة والبحرية. ويحدث هذا النمو عندما تتكاثر هذه البكتيريا الضوئية بكثافة وسرعة، كما يحدث في بعض البحيرات، ومنها بحيرة جنيف.
ولا تقتصر المشكلة على تغير مظهر المياه أو رائحتها؛ إذ يمكن لهذه البكتيريا أن تنتج مجموعة من المركبات السامة، وعلى رأسها الميكروسيستينات (Microcystins)، وهي عائلة من السموم التي تمثل خطرًا على مياه الشرب والمياه الترفيهية والنظم البيئية المائية.
وقد جرى التعرف حتى الآن على أكثر من 300 نوع فرعي (Congeners) من الميكروسيستينات. وعلى الرغم من التشابه الكبير بينها من الناحية البنيوية، فإن الاختلافات الدقيقة في تركيبها يمكن أن تؤدي إلى اختلافات في تأثيراتها البيولوجية.
وهنا تظهر إحدى المشكلات الرئيسية: ليس من السهل الكشف السريع عن هذه السموم وتحديد نوعها بدقة.
لماذا يصعب الكشف عن الميكروسيستينات؟
توجد حاليًا عدة طرق للكشف عن الميكروسيستينات، إلا أن لكل منها حدودًا. فمثلًا، توفر اختبارات المقايسة المناعية ELISA سرعة وحساسية جيدة نسبيًا، لكنها غالبًا لا تستطيع التمييز بين الأنواع الفرعية المختلفة من الميكروسيستينات، كما يمكن أن تتفاعل مع مركبات مشابهة لها.
أما تقنية الكروماتوغرافيا السائلة المقترنة بمطياف الكتلة الترادفية (LC-MS/MS)، فتتمتع بقدرة أعلى بكثير على التمييز والتحديد، لكنها تحتاج إلى أجهزة باهظة الثمن، وخبراء متخصصين، وإجراءات تجهيز ونقل للعينات. وقد يستغرق الحصول على النتائج، بحسب طريقة التحليل هذه، من يوم واحد إلى عدة أسابيع. لذلك كان السؤال الذي طرحه الباحثون هو: هل يمكن بناء مستشعر صغير وسريع يستطيع التعرف إلى هذه الجزيئات السامة واحدة تلو الأخرى؟
مسام نانوي يحول مرور الجزيء إلى إشارة كهربائية
في دراسة أجراها باحثون من مجموعتي Matteo Dal Peraro وTamar Kohn في المدرسة الفيدرالية التقنية في لوزان (EPFL)، طوّر الفريق مستشعرًا يعتمد على المسام النانوية (Nanopores) للكشف عن الميكروسيستينات على مستوى الجزيء الواحد. قاد الدراسة Alissa Agerova وJuan Francisco Bada Juarez، ونُشرت في مجلة ACS Nano تحت عنوان:
Sub-Nanomolar Detection and Discrimination of Microcystin Congeners Using Aerolysin Nanopores
الفكرة الأساسية بسيطة في شكلها، لكنها شديدة الدقة على المستوى النانوي. فلقد استخدم الباحثون بروتينًا يسمى Aerоlysin (الأيروليسين)، وهو بروتين قادر تلقائيًا على تكوين قناة مسامية نانوية عبر غشاء رقيق. يبلغ طول هذه القناة نحو 10 نانومترات، بينما لا يتجاوز قطر أضيق جزء منها نحو نانومتر واحد. أي أننا أمام فتحة أصغر بآلاف المرات من قطر شعرة الإنسان.
كيف يعمل المستشعر؟
عند تطبيق فرق جهد كهربائي عبر الغشاء، تمر الأيونات خلال المسام النانوي، وينتج عن حركتها تيار كهربائي يمكن قياسه. في الحالة الطبيعية يكون التيار مستقرًا نسبيًا. لكن عندما تتفاعل جزيئة من الميكروسيستين مع المسام أو تمر عبرها، فإنها تشغل جزءًا من القناة وتعيق مرور الأيونات لفترة قصيرة. ينتج عن ذلك انخفاض مؤقت في التيار الكهربائي.
وهنا تكمن قوة التقنية. فهذا الانخفاض ليس مجرد إشارة إلى وجود جزيء ما؛ بل إن مقدار انخفاض التيار ومدة حدوثه يشكلان نمطًا مميزًا يمكن استخدامه للتعرف إلى الجزيء. وبذلك يتحول مرور جزيء سام واحد عبر فتحة نانوية إلى إشارة كهربائية قابلة للقياس والتحليل.
سبعة سموم مختلفة… وإشارات يمكن تمييزها
اختبر الباحثون قدرة المستشعر على التمييز بين سبعة أنواع منفردة من الميكروسيستينات. وفي ظروف المختبر المضبوطة، أعطى كل نوع من السموم نمطًا مميزًا من الإشارات الكهربائية. والأهم أن الاختلاف بين هذه الإشارات كان واضحًا بدرجة سمحت بفصل مجموعات الإشارات الخاصة بالأنواع السبعة من دون الحاجة حتى إلى استخدام خوارزميات متقدمة لتصنيف البيانات. وهذا أمر مهم لأن التحدي الحقيقي في مراقبة الميكروسيستينات لا يتمثل فقط في اكتشاف وجود السم، وإنما في معرفة أي نوع منه موجود.
من المختبر إلى مياه البحيرات السويسرية
بعد إثبات قدرة المستشعر في المختبر، انتقل الباحثون إلى اختبار أكثر واقعية باستخدام عينات من مياه البحيرات. استخدم الفريق عينات من بحيرة جنيف، وكذلك عينات من بحيرة لوغانو أثناء حدوث نمو للبكتيريا الزرقاء. وقبل إدخال العينات إلى نظام المسام النانوية، قام الباحثون بترشيح المياه لإزالة الجسيمات التي يمكن أن تتداخل مع عمل المسام. وهذه الخطوة تمثل في الوقت نفسه أحد القيود الحالية للتقنية.
وتوضح Tamar Kohn أن الترشيح يمثل عقبة لأنه يعني إجراء معالجة إضافية للعينة قبل تحليلها، ولذلك يأمل الفريق مستقبلًا في تطوير طريقة تسمح بتحليل العينات دون ترشيح، أو على الأقل أتمتة هذه الخطوة لتقليل التعامل اليدوي مع العينات.
تمييز سموم متقاربة في مياه حقيقية
في عينات مياه بحيرة جنيف، تمكن المستشعر من التمييز بين نوعين متقاربين من الميكروسيستينات أضيفا إلى المياه بتركيزات تمثل ظروفًا مرتبطة بحدوث نمو قوي للبكتيريا الزرقاء. واللافت أن مكونات مياه البحيرة لم تمنع المسام النانوي من التمييز بين السمّين. وهذا يعني أن المستشعر لم يعمل فقط في محلول مختبري نقي، بل استطاع الاحتفاظ بقدرته على التمييز في بيئة مائية أكثر تعقيدًا.
الكشف عن MC-LR في عينة طبيعية
كانت الخطوة الأكثر أهمية هي اختبار النظام على عينة حقيقية جُمعت أثناء نمو للبكتيريا الزرقاء في بحيرة لوغانو. تمكن المستشعر من الكشف عن MC-LR، وهو أحد أكثر أنواع الميكروسيستينات دراسة وانتشارًا. وقد قاس النظام تركيزًا بلغ 0.7 نانومول/لتر. وكانت هذه النتيجة قريبة جدًا من النتيجة التي حصل عليها الباحثون باستخدام تقنية LC-MS/MS التقليدية، والتي بلغت 13.1 نانومول/لتر.
ويمنح هذا التطابق قدرًا مهمًا من الثقة في أن الإشارة الصادرة عن المسام النانوي يمكن استخدامها ليس فقط للكشف النوعي، بل أيضًا لتقدير تركيز السم في العينات البيئية الحقيقية. حساسية تصل إلى 25 بيكومول/لتر، ولم يتوقف الباحثون عند ذلك فمن خلال إنشاء تدرج في تركيز الملح عبر المسام النانوي، تمكنوا من زيادة حساسية المستشعر بدرجة كبيرة. وأصبح النظام قادرًا على الكشف عن MC-LR عند تركيز منخفض يصل إلى:
25 بيكومول/لتر (pM). وهذا يعادل 0.025 نانومول/لتر.
وبحسب الدراسة، فإن هذا المستوى يقل بنحو 40 مرة عن القيمة الإرشادية المؤقتة لمنظمة الصحة العالمية البالغة 1 نانومول/لتر للتعرض مدى الحياة لـMC-LR في مياه الشرب. هذه الحساسية العالية تفتح إمكانية استخدام المسام النانوية ليس فقط للكشف عن مستويات التلوث المرتفعة، بل أيضًا لرصد التركيزات المنخفضة جدًا من السموم.
لماذا تمثل المسام النانوية فكرة مختلفة؟
الطرق التقليدية غالبًا ما تتعامل مع العينة على أنها خليط كيميائي يحتاج إلى فصل وتحليل باستخدام أجهزة كبيرة. أما في تقنية المسام النانوية، فالمبدأ مختلف تمامًا فالجزيء نفسه يتحول إلى إشارة كهربائية لحظة تفاعله مع المسام. يمكن تخيل الأمر كأننا وضعنا “بوابة” نانوية شديدة الصغر في غشاء، ثم راقبنا التيار الكهربائي أثناء مرور الجزيئات من خلالها. كل جزيء يمر يمكن أن يترك بصمة كهربائية مؤقتة. وهذا يفسر قدرة التقنية على التمييز بين جزيئات متشابهة بنيويًا.
من جهاز مختبري إلى مستشعر ميداني
رغم النتائج الواعدة، فإن النظام ليس جاهزًا بعد للاستخدام الميداني المباشر. فالعينات التي اختُبرت احتاجت إلى الترشيح، كما جرى تعديل تركيز الأملاح قبل القياس. وهذه الخطوات لا تزال بعيدة عن الصورة المثالية لجهاز يمكن وضعه مباشرة في بحيرة والحصول منه على قراءة فورية. لكن المسامات النانوية تتمتع بميزة مهمة جدًا: فهي صغيرة الحجم، وتنتج إشارات كهربائية في الزمن الحقيقي.
ولهذا يرى الباحثون إمكانية دمج هذه التقنية مستقبلًا في أجهزة محمولة يمكن استخدامها بالقرب من مصادر المياه بدلًا من نقل العينات إلى مختبرات متخصصة. وقد لا يقتصر الأمر على الميكروسيستينات؛ إذ يمكن تطوير المبدأ نفسه للكشف عن سموم أخرى تنتجها البكتيريا الزرقاء أو ملوثات بيئية صغيرة أخرى.
من البحث الأكاديمي إلى شركة ناشئة
تتجه الخطوة التالية نحو تطوير التقنية وتوسيع نطاقها وتحويلها إلى منتج عملي. وتعمل الباحثة الأولى في الدراسة، Alissa Agerova، على التخطيط لإنشاء شركة ناشئة باسم CYnANO بهدف مواصلة تطوير التقنية واستكشاف إمكانية تحويلها إلى نظام قابل للاستخدام خارج المختبر. إذا نجحت هذه الخطوات، فقد ننتقل مستقبلًا من نموذج يعتمد على جمع عينات المياه ونقلها إلى مختبرات مجهزة، إلى مستشعر نانوي صغير يستطيع مراقبة جودة المياه في الموقع وإعطاء قراءة شبه فورية.
ما الذي يجعل هذا الابتكار مهمًا؟
تكمن أهمية هذه الدراسة في الجمع بين ثلاث خصائص في منصة واحدة وهي الحساسية العالية، إمكانية الكشف عن MC-LR عند مستويات منخفضة جدًا تصل إلى 25 بيكومول/لتر، والتمييز الجزيئي بإمكانية التمييز بين سبعة أنواع من الميكروسيستينات المتقاربة بنيويًا.
الإمكانات المحمولة
لأن القياس يعتمد على تغير في تيار كهربائي عبر مسام نانوي، فمن حيث المبدأ يمكن تصغير النظام ودمجه مستقبلًا في أجهزة مراقبة محمولة. لكن من المهم عدم اعتبار النتائج الحالية جهازًا جاهزًا لمراقبة البحيرات في الميدان. فالترشيح، وضبط الملوحة، وتحسين التعامل مع العينات الطبيعية، إضافة إلى تصغير المنظومة ورفع موثوقيتها، كلها مراحل لا تزال مطلوبة قبل الوصول إلى تطبيق عملي واسع النطاق.
المرجع العلمي
Agerova, A., Bada Juarez, J. F., et al. “Sub-Nanomolar Detection and Discrimination of Microcystin Congeners Using Aerolysin Nanopores.” ACS Nano (2026). DOI: 10.1021/acsnano.6c05413.
المصدر الصحفي: EPFL – A tiny pore identifies cyanobacteria toxins in lakes











