منظفات شاملة لالتقاط الميكروبلاستيك من المحيطات

Image

شبكة من البوليمرات الحيوية ذات بنية نانوية، مستوحاة من الأعشاب البحرية، قادرة على التقاط جزيئات البلاستيك الدقيقة التي يتراوح حجمها من مقياس المليمتر إلى عشرات النانومترات في كلٍّ من المياه العذبة والمالحة.

استلهم باحثون من الحصائر والكرات الطبيعية المتكوّنة من الأعشاب البحرية، فطوّروا شبكات شديدة المسامية وعالية الالتصاق قادرة على التقاط جزيئات البلاستيك الدقيق الكبيرة والصغيرة على حد سواء، وهي مشكلة ظلت تمثل تحديًا طويل الأمد في هذا المجال.

ويمكن لهذه الشبكات إزالة البلاستيك الدقيق من المياه المالحة والمياه العذبة، كما أنها مصنوعة من بوليمرات حيوية مستدامة ومتوافرة على نطاق واسع.

وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Advances تحت عنوان: «كرات نبتون الاصطناعية: شبكات محاكاة حيوية فائقة الالتصاق لالتقاط وإزالة البلاستيك الدقيق واسع النطاق الحجمي»
(Artificial Neptune balls: Superadhesive biomimetic networks for broad-size microplastics capture and removal)

تحدٍّ يبدأ من المليمترات وينتهي عند النانومترات

يُستخدم مصطلح البلاستيك الدقيق (Microplastics) بصورة عامة للإشارة إلى جزيئات البلاستيك التي يقل حجمها عن خمسة مليمترات. وتمثل هذه الجزيئات مشكلة تلوث كبيرة لما قد تسببه من مخاطر على صحة الإنسان والبيئة. ومن أكثر المجالات إثارة للقلق تأثير البلاستيك الدقيق في النظم البيئية المائية، الأمر الذي دفع إلى تطوير مجموعة واسعة من الوسائل الرامية إلى إزالة هذه الملوثات من المياه. لكن التقاط جزيئات البلاستيك الدقيقة من المياه يواجه تحديًا أساسيًا.

فبعض الطرق تستطيع التقاط الجزيئات الأكبر حجمًا، التي يبلغ قطرها نحو مليمتر واحد، بينما تستطيع طرق أخرى التعامل مع الجزيئات الأصغر التي تقاس بالميكرومترات أو حتى بالنانومترات. أما تطوير وسيلة واحدة تستطيع بكفاءة التقاط النطاق الكامل من أحجام جزيئات البلاستيك، من الكبيرة إلى شديدة الصغر، فقد ظل أمرًا صعبًا.

ويقول Orlin Velev، الباحث المسؤول عن الدراسة وأستاذ S. Frank and Doris Culberson المتميز في الهندسة الكيميائية والجزيئية الحيوية بجامعة ولاية كارولينا الشمالية: «كان هدفنا هو تطوير بنية متعددة المقاييس تتيح لنا التقاط النطاق الكامل من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة».

عندما تصبح الأعشاب البحرية نموذجًا للتنقية

استمد Velev وزملاؤه فكرتهم من الحصائر الطافية للأعشاب البحرية ومن الهياكل الكروية المعروفة باسم «كرات نبتون» (Neptune balls)، وهي كرات تتشكل طبيعيًا من الأعشاب البحرية المتشابكة، وقد أظهرت الدراسات أنها قادرة على جمع البلاستيك الدقيق. ويقول Velev: «أردنا إنشاء هياكل تحاكي ما تقوم به الأعشاب البحرية المتشابكة بالفعل». وبدلًا من محاولة ابتكار آلية جديدة تمامًا، حاول الباحثون تقليد الآلية الطبيعية نفسها وتحويلها إلى مادة هندسية يمكن استخدامها لتنقية المياه.

شبكة حيوية تشبه «شبكة زغبية»

صنع الباحثون «منظفات» مائية تتكون من شبكة من ألياف مسامية مصنوعة من البوليمرات الحيوية الألجينات (Alginate) والكيتوسان (Chitosan). ويُشتق الألجينات من الأعشاب البحرية، بينما يُستخلص الكيتوسان من أصداف القشريات. لكن الجزء الأكثر أهمية في التصميم لا يكمن فقط في الشبكة الأساسية، وإنما في سطحها. فقد غُطي سطح الشبكة بطبقة من ألياف الكيتوسان فائقة الدقة.

وتتكون هذه الطبقة السطحية من هياكل تسمى الغرويات التغصنية اللينة (Soft Dendritic Colloids)؛ وهي هياكل تتفرع بصورة متكررة إلى خيوط أدق فأدق، وتنتهي بتجمع يشبه التاج أو الخصلة من الألياف النانوية (Nanofibers). وتمنح هذه البنية الغرويات التغصنية قدرة على الالتصاق تقريبًا بأي سطح، كما تتيح لها التقاط الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والجسيمات النانوية مباشرة من الماء.

شبكة واحدة لأحجام مختلفة من البلاستيك

يشبّه Velev الشكل النهائي للمادة بـ «شبكة زغبية». فالجزء الأساسي من الشبكة يعمل مثل شبكة صيد كبيرة، ويمكنه التقاط جزيئات البلاستيك الأكبر، التي يبلغ حجمها مليمترًا أو أكثر. لكن خيوط الشبكة نفسها ليست ملساء؛ فهي تبدو «زغبية» بسبب تغطيتها بالغرويات التغصنية اللينة. وهنا يأتي دور البنية النانوية. فالألياف الدقيقة الموجودة على سطح هذه الخيوط تستطيع التقاط جزيئات البلاستيك الصغيرة بواسطة الالتصاق، حتى عندما يصل حجمها إلى عشرات النانومترات. وبذلك يجمع التصميم بين آليتين تعملان على مقياسين مختلفين:

الشبكة المسامية → تلتقط الجزيئات الأكبر.

الألياف والبنى النانوية اللاصقة → تلتقط الجزيئات الأصغر بكثير.

وهذا هو السبب في أن الباحثين يصفونها بأنها بنية متعددة المقاييس؛ إذ لا تعتمد على حجم واحد من المسام أو آلية واحدة للالتقاط.

الاختبار الأول: هل تستطيع الشبكة فعلًا التقاط البلاستيك؟

في اختبارات إثبات المفهوم، وجد الباحثون أن الشبكات فائقة الالتصاق نجحت في التقاط جسيمات نانوية نموذجية أُنتجت في المختبر، وكذلك عينات من البلاستيك الدقيق الواقعي، وذلك عبر نطاق واسع من الأحجام. والأهم أن الأداء ظهر في كل من المياه العذبة والمياه المالحة على حد سواء. وهذا يشير إلى أن فعالية المادة لا تقتصر على نوع واحد من البيئات المائية.

ماذا يحدث بعد امتلاء الشبكة بالبلاستيك؟

طرح الباحثون سؤالًا مهمًا آخروهو بعد أن تقوم هذه الشبكة «الزغبية» بالتقاط كمية من البلاستيك الدقيق، ماذا سيحدث لها؟

وفقًا للباحثين، يمكن جمع الشبكة المحملة بالبلاستيك وإعادة معالجتها. وهناك أحد الاحتمالات التي يقترحها الفريق، ويتمثل في استخدام الهضم الميكروبي لتفكيك البلاستيك الدقيق وكذلك مادة الشبكة نفسها. وقد يمكن بعد ذلك استخدام هذه العملية الحيوية لإنتاج المزيد من مادة البوليمر الحيوي، ومن ثم تصنيع شبكات زغبية جديدة. وبهذا تتحول المادة من مجرد أداة لالتقاط الملوثات إلى جزء محتمل من دورة إعادة استخدام حيوية.

مواد طبيعية ومتاحة على نطاق واسع

يؤكد الباحثون أن أحد عناصر قوة التصميم يتمثل في طبيعة المواد المستخدمة. فالألجينات والكيتوسان مواد ذات أصل طبيعي ومتوافرة نسبيًا وغير مرتفعة التكلفة. ويقول Velev: «لقد أثبتنا أن هذا التصميم يعمل. والمواد التي استخدمناها ذات أصل طبيعي ومنخفضة التكلفة نسبيًا، ولذلك قد تمثل مسارًا عمليًا للمضي قدمًا».

لكن السؤال الأكبر لا يزال قائمًا وهو هل يمكن استخدام هذه التقنية على نطاق واسع لتنظيف المحيطات والبحيرات؟

يرى الباحث أن الإجابة تعتمد على مقدار الاستثمار الذي سيكون المجتمع مستعدًا لتخصيصه لتوسيع نطاق مثل هذه الحلول الخاصة بتنظيف المياه. وبالتالي، فإن الدراسة تمثل إثباتًا واعدًا للمفهوم، لكنها لا تعني أن شبكة التنقية أصبحت جاهزة بالفعل لتنظيف المحيطات على نطاق صناعي.

المصدر

Matt Shipman، North Carolina State University — مع ملاحظة أن المادة الصحفية الأصلية قد تكون عُدّلت من حيث الأسلوب والطول.

المرجع العلمي:
Artificial Neptune balls: Superadhesive biomimetic networks for broad-size microplastics capture and removal. Science Advances.

(أخبار Nanowerk)

0مشاركات