أعلنت مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، الذراع الاستثمارية لمجموعة البنك الدولي، عن موافقتها على تمويل ضخم بقيمة 250 مليون دولار لمشروع تصنيع مادة البولي سيليكون في سلطنة عمان، وذلك في خطوة تعد الأكبر من نوعها في الشرق الأوسط في هذا القطاع الحيوي.
تمويل غير مسبوق رغم الانقسام داخل المؤسسة الدولية
ويتوزع التمويل على قرض بقيمة 200 مليون دولار، واستثمار مباشر في أسهم ممتازة بقيمة 50 مليون دولار في مشروع “United Solar Polysilicon”، الذي يقام في منطقة صحار الحرة بطاقة إنتاجية سنوية 100 ألف طن متري من مادة البولي سيليكون.
لكن هذه الخطوة لم تمر بهدوء داخل مجلس إدارة المؤسسة، إذ كشفت مصادر مطلعة لوكالة رويترز أن الممثل التنفيذي للولايات المتحدة اعترض على المشروع، في حين امتنع ثلاثة أعضاء آخرين عن التصويت، يمثلون ألمانيا وهولندا ودول الشمال الأوروبي، وهو ما يعكس انقساما سياسيا واقتصاديا داخل المؤسسة بشأن المشروع ودلالاته الجيوسياسية.
علاقات صينية تثير الحذر الغربي
ويعود المشروع إلى مجموعة من المساهمين يتقدمهم المؤسس تشانج لونجن، وهو أمريكي الجنسية، لكنه شغل سابقا منصب الرئيس التنفيذي لشركة “Daqo New Energy” الصينية.
وتشارك أيضا في المشروع كل من صندوق الثروة السيادي العُماني وشركة IDG Capital الصينية، ما أدى إلى مخاوف غربية من اعتباره تمددا غير مباشر للصناعة الصينية في سوق البولي سيليكون العالمي.
ويرى المعارضون للتمويل، وخاصة من الجانب الأمريكي، أن المشروع مدعوم بمؤسسات صينية بشكل كبير، وقد يؤدي إلى زيادة تخمة الإنتاج في السوق العالمية، الأمر الذي تعاني منه بالفعل كبرى الشركات الصينية، حيث بدأت بعضها في إغلاق جزء من طاقتها الإنتاجية لتقليل الخسائر.
طاقة نظيفة تكفي لـ40 جيجاواط من الكهرباء
ورغم الاعتراضات، فإن المشروع يحمل إمكانات استراتيجية ضخمة. عند تشغيله بكامل طاقته، سيوفر المصنع ما يكفي من البولي سيليكون لإنتاج ألواح شمسية تولد 40 جيجاواط من الكهرباء سنويا، وهو ما يعزز مكانة عمان كلاعب إقليمي في سلاسل التوريد العالمية للطاقة المتجددة.
والبولي سيليكون مادة أساسية تُستخدم في صناعة الألواح الشمسية وأشباه الموصلات، وتتطلب درجة عالية من النقاء. ومع ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة النظيفة، تصبح المشاريع التي توفر هذه المادة محورية في مستقبل الاقتصاد الأخضر.
رهانات اقتصادية وسط تحولات جيوسياسية
ويأتي المشروع في وقت تضغط فيه الإدارة الأمريكية على البنك الدولي لتقليص دعمه لمشاريع ذات ارتباط بالصين، بالتوازي مع ضخ استثمارات محلية ضخمة، مثل منحة بقيمة 325 مليون دولار من وزارة الطاقة الأمريكية لشركة “هيملوك سيميكونداكتور” لتعزيز الإنتاج المحلي لأشباه الموصلات.
وفي هذا السياق، يعد المشروع العماني بمثابة رهان اقتصادي محفوف بالتحديات. إذ بينما يوفر فرص تنويع للاقتصاد العُماني وجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن نجاحه سيعتمد على توازن السوق العالمي، خصوصاً في ظل مخاطر فائض الإنتاج وتأثيره السلبي على الأسعار وهوامش الربح.
عُمان تستعد لإعادة رسم خريطة الطاقة الشمسية
ويضع المشروع العُماني، الذي تبلغ تكلفته الإجمالية 1.6 مليار دولار، السلطنة على مشارف تحول استراتيجي كبير. مع بدء تشغيله قبل نهاية العام الجاري، ستصبح عُمان ثاني أكبر منتج للبولي سيليكون في العالم بعد الصين، بحصة سوقية تبلغ 4.4% من الإنتاج العالمي، في سوق قدرت قيمته بـ34.3 مليار دولار بنهاية 2023.
وفقا لـجهاز الاستثمار العماني، الذي ضخ 156 مليون دولار في المشروع عبر “صندوق عُمان المستقبل”، فإن الهدف يتجاوز مجرد التصنيع ليصل إلى توطين سلسلة القيمة لصناعة الطاقة الشمسية وتقليل الاعتماد على الصين، التي تهيمن حاليا على 93% من الإنتاج العالمي.
مزايا تنافسية تعزز موقع عُمان
ولم يكن اختيار عُمان لاستضافة المشروع عشوائيا، بل استند إلى مجموعة من المزايا التنافسية: دعم حكومي قوي، أسعار كهرباء منخفضة، قرب استراتيجي من ميناء صحار، وبيئة تنظيمية مشجعة، بالإضافة إلى اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، التي تسمح بتصدير المنتجات العُمانية إليها دون رسوم جمركية.
يمتد المشروع على مساحة 160 ألف متر مربع، ويشغل حاليا نحو 4,000 عامل بناء، مع توقعات بتوفير 1,000 إلى 2,000 وظيفة مباشرة عند التشغيل، ورفع نسبة التعمين إلى 70% بحلول عام 2030، من خلال برامج تدريب ونقل المعرفة التكنولوجية.
رؤية طموحة رغم العقبات
ورغم التحديات الدولية والاعتراضات الغربية، فإن مشروع “يونايتد سولار بولي سيليكون” يعكس رؤية طموحة لسلطنة عمان لتصبح فاعلا أساسيا في الاقتصاد العالمي للطاقة المتجددة. ويمثل المشروع اختبارا لمقدرة السلطنة على تحقيق التوازن بين الفرص الاقتصادية والمخاطر الجيوسياسية.











